
دكتور فائق الجوهري أخطاء الأطباء اقرا 239 دار المعارف بمطر
29 – نوفمبر سنة 1962 ملتزم الطبع والنشر : دار المعارف بمصر – 1119. كورنيش النيل القاهرة ج .ع.م.
أخطاء الأطباء
مقدمة بدأ الطب مهنة مقدسة اقترنت بالسحر والدين . وقد انحصرت بادئ ذي بدء فى طائفة الكهان والسحرة . ولازمتها القداسة حتى عندما انتقلت من العلوم الدينية إلى العلوم الدنيوية ، فظلت فى يد نخبة مختارة من الناس . وحتى في عصر الديمقراطية وحرية العلم ، فإنه لا يسمح بدراسة الطب إلا للمتفوقين، وتخضع دراسته لمدد وأنظمة خاصة . ويعطى للطبيب لقب الدكتور بدون الحصول على درجة الدكتوراة . وقد أضفى هذه القداسة على مهنة الطب غموضها وعلاقتها بالحياة والموت ، وجهل الناس بأسرار الجسم والعقل من الحصانة خاص ، حتى لقد قام فريق منهم يطالبون بأن تترك مزاولة المهنة بواسطة الأطباء حرة بغير رقابة إلا من ضمير الطبيب والروح . مما جعل الأطباء يستمتعون بند و منا وقد أقر بعض الشراح هذا النظر ، وجارتهم عليه بعض الأحكام. فأظهروا تساهلا مع أصحاب مهنة العلاج حتى من غير الأطباء . وخلطوا بين الباعث والقصد الجنائى . وأهدروا الحقوق التى حماها القانون العام لكل إنسان على جسده أجله وأباحوا إجراء أعمال لا تمت إلى الغرض الذي شرعت من المهنة ، كقتل المريض غير القابل للشفاء ، وفرقوا بين ما يأتيه الطبيب كإنسان يجرى عليه ما يجرى على سائر الناس ، وبين
علمه وفنه ، فقالوا إن الطبيب يسأل ما يأتيه مما هو من صميم كرجل، ولكنه لا يسأل كطبيب ، أو لا يسأل إلا في حدود مقررة. وقد حاولت فى هذه الرسالة أن أرد الأمر في مسئولية الطبيب إلى وضعه الصحيح ، واقتضاني ذلك أن أبحث في السند القانونى لإعفاء الأطباء من المسئولية عن الأعمال التي يجرونها بقصد العلاج على ضوء التشريع القائم ، حتى أضع كل عمل الأعمال التى يجريها الأطباء في وضعه الصحيح . من وقد بحثت بعد ذلك طبيعة الدور الذي يقوم به المريض في إباحة عمل الطبيب. وأخيراً أثر الباعث أو قصد الشفاء في إجازة ما يقوم به الطبيب من أعمال ثم بحثت مسئولية الأطباء عن أخطائهم ثم تطبيق نظرية الخطأ فى ميدان الطب ، وفى حياة الطبيب العملية ، في مراحل العلاقة بين الطبيب والمريض ومع الصعوبة التى يجدها رجل القانون في البحث في المسائل الطبية ، فقد حاولت جهدى أن أنظر إلى الأمر من ناحية النصوص الجنائية وتفسيرها الصحيح على هدى القواعد العامة ، ملاحظة الطبيعة الخاصة لمهنة الطب ، والصالح العام . مع بحيث يخرج القارئ بصورة صحيحة للطبيب بما له وما عليه .. فائق الجوهرى
فضل مصر والعرب على الطب وتحديد المسئولية الطبية تشتمل القراطيس الطبية التى تركها قدماء المصريين على وصفات سحرية ودوائية وعلاجات لجميع أنواع الأمراض وهى تدل على أن المصريين بلغوا شأواً عظيماً في فنون الصيدلة والكيمياء ، حتى إن كلمة كيمياء مشتقة من الاسم القديم لمصر خم ، وإذا كان الإنسان الأول قد أدهشنا بعملية التربية التي كان يجربها لإخراج الأرواح الشريرة من رأس المريض ، فإن المصريين القدامى قد أدهشوا العالم كله بطريقتهم العجيبة المجهولة في تحنيط موتاهم تحنيطاً يجعلهم حافظين لأشكالهم وملامحهم على طول الزمن . وقد حصل المصريون أيضاً على قدر طيب من علمى التشريخ ووظائف الأعضاء. وقد تكلموا عن القلب والعروق بما يجعل كشف هارفى للدورة الدموية في القرن السابع عشر شيئاً غير جديد على العالم . واستعملوا المنتجات الحيوانية لأغراض طبية فكانت هذه

خطوة متقدمة لما كان يفعله الإنسان الأول من أكل قلب عدوه من أجل أن يحصل على قوته وشجاعته ،
A وكانت نظرية المصريين فى العلاج بالمنتجات الحيوانية أساس العلاج بالغدد ، التي دامت إلى نهاية القرن الثامن عشر ، والتي تلقى تطبيقاً علمياً أحدث في هذا العهد الأخير وعلى الرغم من وجود عنصر السحر في الطب المصرى القديم ، فإنه يعزى للأطباء المصريين فضل وضع قواعد مفصلة عن الغذاء ونظام الحياة والاستحمام وأخذ المسهلات للنظافة الداخلية وكان المصريون أول من استعمل سلفات النحاس لعلاج الرمد : ولا تزال كثير من الوصفات الطبية المصرية محتفظة بخواصها الطبية حتى الآن. وكانوا على درجة من العلم بالجراحة . وهم أول من مارس الختان ، وعنهم أخذه اليهود . كما كما أنهم أول من استخدم كرسى الولادة والقابلات في التوليد وكان الطبيب والكاهن يجمعهما في أول الأمر شخص واحد . ولكن مع تقدم المدنية المصرية نشأ نوع من التخصص وانفصل الطبيب عن الكاهن . ونظمت المهنة الطبية على هيئة جمعية لحماية أسرار الأطباء تشبه نظم جماعات الحرف في العصور الوسطى. فإذا لاحظنا أن نظام الجامعات في تلك العصور كان نوعاً من جماعات التعليم للحرف أمكن أن نرى في هذا النظام المصرى القديم بذرة الجمعيات الطبية ونقابات الأطباء في العصر الحديث. وقد قامت المدارس الطبية في
صالحجر وفى هليو بوليس ومنف وعرف المصريون نظام التخصص في الطب ، فكان هناك أطباء للعيون وللأسنان ومولدون بل أخصائيون في أمراض الشعر والمستقيم . ويبرز عنصر التجارب فى الطب المصرى القديم . فقد ذكر سترابون أن المصريين القدماء كانوا يحملون المرضى إلى الميادين العامة حتى يستطيع الذين سبقت لهم الإصابة بمثل أمراضهم أن يروهم وينصحونهم النصائح الملائمة . وكان يفرض على كل مريض أن يذهب بعد شفائه إلى المعبد ويذكر للكهنة أعراض مرضه والعلاج الذي شفى به . وكانت هذه الإقرارات تجمع في كتاب يسمى بالسفر المقدس : وقد قيل إن هذا السفر كان يشتمل على 42 كتاباً تنسب إلى توت إله الحكمة عند قدماء المصريين . وهو يشمل مجموعة الصلوات وواجبات الملوك ، وأوامر الشمس والقمر والنجوم ومفتاح اللغة الهيروغليفية ووصف النيل وأرض مصر وعلم الفلك ونظام الاحتفالات الدينية والتضحيات ، والقوانين ، ثم المعارف الطبية في ستة مجلدات تحوى على الترتيب : التشريح والأمراض، وأدوات الجراحة ، والأدوية ، وأمراض العيون ، وأمراض النساء . وقد بلغ من تقديسهم لهذا السفر أنهم كانوا يحملونه معهم بكل وقار في الحفلات العامة
ولم يهمل المشرع المصرى حماية الجمهور من الأطباء فلم يكن يباح للطبيب أن يخالف في علاجه ما جاء في السفر المقدس وإلا تعرض للعقاب . وفى ذلك يقول ديودور الصقلي إن المصريين كانوا يعالجون الأمراض طبقاً للقواعد المقررة التي وضعها كبار الأطباء القدامى ودونوها في السفر المقدس . وكان يجب على الطبيب أن يسير وفقاً لما تقضى به هذه القواعد وعند ذلك فهو لا يتعرض لأية مسئولية ولو مات المريض أما إذا خالفها فإنه قد يعاقب بالإعدام . وعندما قامت الحضارة الإغريقية وجاء أبقراط فإننا نجد أن بعض الوصفات الطبية فى أوراق البردى المصرى موجودة بنصها حرفياً فى وصفات أبقراط . وكان له فضل كبير في إزالة السحر والشعوذة والعقائد الخرافية عن المادة الطبية وفى جعل الطب علماً قائماً على البحث والفحص وملاحظة أعراض المرض. ويسمى أبو قراط أبا الطب ، فمنه استمد الأطباء الأقدمون بطريق مباشر أو غير مباشر حتى جالينوس في عهد الرومان . ولا يزال كثير من طرق أبقراط ونظرياته مسلماً بها حتى الآن . وقد عنى أبو قراط عناية كبيرة بالجانب الأدبى أو الأخلاقي للمهنة . فكان يقضى على تلاميذه أن يقسموا قسمه المشهور . وقد جاء فيه
في أقسم بأبولو واسكلا بيوس وهيجيا ( إلهة الصحة ) وبأولياء الله الرجال والنساء جميعاً بأن أعتبر الذي لقنى هذا العلم في معزة الأب منى . وأن أقاسمه مالى وأمد له يد المساعدة إذا احتاج إلى مساعدتى ، وأعتبر أبناءه بمثابة إخوة لى وأعلمهم هذه الصناعة إذا رغبوا فى تعملها بغير أجر ولا شرط ه وأتعهد بأن أتبع النظام الذي أرى بناء على مقدر وتقديرى أنه ذو فائدة لمرضاى . وأن أمتنع عن كل ما هو مضر ، كما أنى ومؤذ . وأتعهد بأن لا أعطى دواء قاتلا لأي . لن أعطى لامرأة لبوسا يجهضها . وأتعهد بأن أقضى حياتى وأمارس فى فى طهارة وقداسة . وأى منزل أدخله فإني أدخله من أجل منفعة المرضى . وأمتنع عن أى إيذاء أو إفساد مقصود ، وعلى الأخص التغرير بالناس ذكرانا أو إناثا ، أحرارا أو عبيدا ، لانتهاك عفافهم سواء كان ذلك فيما يتصل بممارستى لعملى أو غير ذلك. وفى ممارستى لعملى فإن كل ما أراه أو أسمعه في حياة الناس مما لا يصح إذاعته فى الخارج فلن أفشيه باعتبار أن كل ذلك يجب أن يظل سرا مكتوما . وطالما أنى مستمر على القيام بما يقضى به هذا القسم غير حانث ، فلا عيشن وأمارسن مهنى محترما من جميع الناس في كل الأوقات. أما إذا حنثت في هذه اليمين أو خالفت
ذلك العهد فليكن العكس نصيبي ) وروی بلوتارك كيف أن الإسكندر الأكبر أمر بصلب الطبيب جلوكيس فى الإسكندرية لأنه ترك صديقه أفستيون وكان قد أصيب بالحمى فنصحه بالصوم عن الطعام وذهب إلى الملهى حيث كان الإسكندر قد أحضر ثلثمائة من الممثلين والممثلات من بلاد الإغريق. وترتب على ذلك أن خالف أفستيون نصيحة الطبيب وجلس إلى المائدة وأكل وشرب حتى فمات شبع وقد كان غياب الرقابة على الأطباء موضع الشكوى من كتاب ذلك العصر. وفى ذلك يقول أفلاطون إن الأطباء يأخذون أجرهم سواء شفوا المرضى أو قتلوهم ، وهم والمحامون يستطيعون ، أن يقتلوا عملاءهم دون أن يتعرضوا لأية مسئولية . وقد دعا عدم وجود قيود خاصة بالطب عند الرومان إلى تطبيق نصوص القانون العام على الأطباء . فكانوا يطبقون قواعد القانونين المدني والجنائى على الإصابات التي تنجم عن العلاج . وكان الطبيب يعتبر مسئولا عن التعويض إذا لم يبد دراية كافية في إجراء عملية لرقيق أو إعطائه دواء فمات ، أو إذا تركه بعد العلاج ، وعلى الرغم من اقتصار النص على ( الأشياء ، مما يترتب عليه أن يسأل الطبيب مدنياً عن الضرر الذي يصيب الرقيق
13 ولا يسأل عن الضرر الذى يصيب الحر ، فقد توسع الشراح والمحاكم فى تطبيق النص ، فأصبح من حق السيد أن يلجأ إلى هذا القانون فى طلب التعويض عن الضرر الذي يصيبه في شخصه وإلى جانب هذه المسئولية المدنية فقد كان الطبيب يسأل عن العلاجات التى يكون من شأنها إحداث ضرر أو إذا باع أدوية ضارة أو إذا أعد سماً لقتل إنسان ، بالموت ، وقد نص على نفي القابلة إذا أعطت دواء لامرأة لتسهيل ولادتها فماتت ، أحداً كما نص على عقاب من يرتكب جريمة الخصى أو يحرم من التناسل بالجراحة أو بغيرها ولو برضاء المجنى عليه وكذلك من يجرى عملية الختان ما لم يكن يهودينا وعلى شخص من نفس دینه من طبقة وكان القانون يميز في العقاب الذي يوقع على الطبيب طبقاً لمركزه الاجتماعى . فإذا توفى المريض نتيجة العلاج ينفى الطبيب في جزيرة إذا كان من طبقة راقية . ويعدم إذا كان وضيعة . ولكن هذه الشدة فى العقاب خفت تدريجيا على مر الزمن بدخول عنصر الأحرار فى المهنة ، وتقدم المدنية عند الرومان ، فلم يلبث الأطباء أن أصبحوا يستمتعون بنوع من الحصانة ، يكاد يكون تاما ، من العقاب . وذلك بسبب الطبيعة
14 التخمينية لمهنة الطب . حتى لقد قال بلين : إن الطب هو المهنة الوحيدة التى يؤمن بها الإنسان لمجرد قول مدعى الخبرة فيها … إن الأطباء يتعلمون على حساب أخطارنا ومضارنا ، تطيع ويقتلوننا فى قيامهم بتجاربهم … إن الطبيب هو الشخص الوحيد الذى أن يرتكب جريمة القتل دون أن يتعرض لأى عقاب . والأنكى من ذلك أن الخطأ ينسب إلى المريض نفسه . وقد أشاد بعبارة وجدها على قبر ميت جاء فيها : « إنه مات اختلاف الأطباء » بسبب ودالت دولة الرومان وجاءت العصور الوسطى التي سميت بحق العصور المظلمة بما ران عليها من الجهل وما لازمها من الفتن والحروب، حيث لا يمكن أن تنصرف أذهان الناس إلى العلم الطبي ، كان هناك بعض الأطباء لدى الملوك والسادة ولكن لم يكن لدى سائر الناس غير الدجالين والمجبرين بلا علم ولا معارف صحيحة. وكثر السحرة والمعالجون الذين يتظاهرون بأنهم يعالجون الأمراض بالاستناد إلى قوة خارقة للطبيعة وضاعت ، كتب أبقراط وجالينوس وعادت إلى الظهور عوضاً عنها كتب التمائم والتعاويذ . ولم يكن للمسيحية أثر يذكر في تحسين الحالة من الناحية الطبية . ولم يكن ذلك بسبب عداوتها للطب والأطباء بل كان
10 بالأكثر بسبب عدم الاكتراث لاعتقادها بأن الحياة الدنيا ليست إلا تجربة فى سبيل حياة أخرى أبدية يجب الاستعداد لها بالزهد والتقشف، فضاعت الأنظمة الصحية الدقيقة التي وضعها المصريون والإغريق والرومان . وقد تعددت القصص في ذلك العهد عن الشياطين التى أخرجها أولياء الله من أجساد المرضى . وقيل إن من الكفر أن يلجأ الإنسان طلباً للعلاج إلى أطباء الأرض بدلا من زيارة قبور القديسين وعندما بدأت توجد الجامعات وأقبل القسس على دخولها حرمت الكنيسة على رجال الأكليروس دراسة الطب والقانون لغرض الربح . وكانت الكنيسة أكبر معارض للجراحة . حتى لقد نص قرار مجلس تور فى سنة 1163 على أن الكنيسة تكره إسالة الدماء . ولذلك فصلت الكنيسة الجراحة عن الطب واعتبرتها مهنة غير لائقة بالسيد المهذب أو الطالب وتركتها للحلاقين ومن العبارات البالغة فى الدلالة من ذلك العهد قولهم إن من واجب الجراح أن يتجنب السمعة السيئة . لأن الناس من أقدم الأزمنة يعدون الجراحين لصوصاً وقتلة وأحط المحتالين بل لقد حرمت الكنيسة أن يعطى للأم دواء يريح الولادة أو يسهلها . لأن ذلك يعارض الآية المقدسة التى تقول « تكثيراً أكثر إتعاب حملك وبالوجع تلدين أولاداً ) .
16 على أن هذا العصر على ظلامه قد عرف المسئولية الطبية ولكن يما يتفق مع هذه العقلية التي وصفناها . ففي الشعوب المتبربرة نجد أنه عند القوط الشرقيين كان إذا مات المريض بسبب عدم عناية الطبيب أو جهله يسلم الطبيب إلى أسرة المريض ويترك لها الخيار بين قتله أو اتخاذه رقيقاً وكانت محاكم بيت المقدس تحكم في عهد الصلبيين في القرنين الثاني عشر والثالث عشر بأن الطبيب مسئول عن جميع أخطائه وجميع إهمالاته. فإذا تسبب بجهله في وفاة رقيق فإنه يجب عليه أن يدفع ثمنه لسيده ويترك المدينة. وإذا كان المجنى عليه رجلا حراً وكانت المسألة تتعلق بجرح بسيط أو سوء العناية بما لم يترتب عليه الموت قطعت يد الطبيب ولم تدفع أتعابه ، ويشنق الطبيب إذا مات المريض .. أما الدين الإسلامي فإنه يدعو إلى هذه الحياة دعوته إلى الأخرى وقدعنى فيما عنى به من أمور الدنيا بالصحة والطب وفي القرآن آیات عدة حول النظافة والتطهير والحمية وحفظ الصحة. وقد نصح النبي (ص) بالتداوى . وأوصى بالاجتهاد في معرفة أدوية الأمراض فقال ( يا أيها الناس تداووا ، فإن الله لم ينزل من داء إلا أنزل له دواء ) D وقد نصح بالتحرز من العدوى والاحتياط ضد إصابة
17 الناس بها ، فقال في حديث عن الطاعون ، فإذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوا عليه. وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها» وكان يحض على العلاجات الطبيعية ، فكان يؤثر الغذاء على الدواء وينصح بالصوم قال : « لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب ( كما كان يوصى بإطلاق الأمعاء ، وأشار بالماء في الحمى. وكان يقدر الجراحة فقد زار مرة رجلا به مدة فقال بطوا – أي شقوا – عنه . وما برح حتى بطت وهو شاهد . كما كان يعنى بالعلاج النفسى وبتقوية الروح المعنوية لدى المرضى فقال ( إذا دخلتم على المريض فنفسوا له في الأجل » . وعلى الرغم مما يقوله بعض الباحثين من أن الدين الإسلامي قد حرم التشريح فإنه قد أجاز فتح جثة المتوفى إذا كان قد ابتلع مالا لغيره قبل أن يموت ، كما أجاز الفتح عن الجنين لاكتشاف الجريمة. ومن المتفق عليه بين علماء الشريعة أن دراسة الطب فرض من فروض الكفاية . فرد لا تسقط عنه إلا إذا قام بها غيره وذلك بوصفها ضرورة اجتماعية الحاجة الجماعة إليها . ا فهى واجب على كل وقد بدأ النبي (ص) دعوته الدينية فى سنة 611 ميلادية . فكان ذلك إيذاناً بقيام عصر من المدنية والفتوح الإسلامية
18 واتسعت الدولة العربية فى القرن السابع حتى وسعت بلاد العراق والفرس والشام ومصر . وامتدت فى القرن الثامن حتى وصلت إلى نهر جيحون شرقاً وشملت بلاد المغرب والأندلس غرباً . فأتيحت للعرب بذلك الفرصة للاطلاع على علوم الأقدمين في البلاد التي قامت بها المدنيات القديمة، كبابل وفلسطين ومصر . وفارس والهند . وقد اتصلوا بعلوم الإغريق والرومان ولا سيما الطب عن طريق مدرسة ساليرنو فى جنوب إيطاليا . وعنى العرب عناية خاصة بترجمة جميع الكتب الطبية إلى العربية عن الإغريق والرومان والفرس والهند والأقباط .. وأضاف العرب أبحاثاً جديدة لم يكن قد طرقها الأقدمون ونبغوا في جميع فروع الطب فضربوا بسهم وافر في الطبيعة والكيمياء . واكتشفوا مركبات وخواص جديدة وأدخلوا نباتات لم يعرفها اليونان ووصفوا جميع الحيوانات والنباتات والأحجار والمعادن ذات الخواص الطبية . وكانوا يعنون بالنظر في أبوال المرضى ويسمون ذلك بالقارورة . والاستنتاج من نظر البول بالتفسرة . وقد استكشفوا مواد جديدة كالبوتاس ونترات الفضة وحوامض الكبرتيك والنتريك . وكلمة الكحول هي كلمة عربية . وفى الطب تقدموا بخطوات عظيمة على ما كان قد وصل
19 إليه الإغريق والرومان . فقد درسوا وظائف الأعضاء وعلم الصحة . وما يزال علم العقاقير كما عرفوه هو نفسه الذي نعرفه اليوم. كما أنه لا تزال كثير من طرائفهم في العلاج مستعملة حتى الآن . وقد عرف جراحوهم التخدير وباشروا بعض العمليات الجراحية الخطيرة . وفى هذا الوقت الذي كانت مزاولة الطب فيه محرمة في أوربا التى كانت تنتظر أن تحصل على الشفاء بفضل الشعائر الدينية يقوم بها رجال الدين ، كان لدى العرب علم الطب الحقيقى . بل إن الأطباء العرب عرفوا منذ القرن الثانى عشر العلاج النفسى كما عرفوا العلاج بالموسيقى وكان العرب يهتمون بالتعليم اهتماماً كبيراً وقد سبقوا فيه ما كان معروفاً فى ذلك العصر أو بعده . فقامت المدارس في أهم مدن الدولة العربية وأمها الطلاب من كل فج . وفى ذلك يقول ولز : «لقد قامت في العالم الإسلامي قبل الغرب بقرن أو نحو ذلك عدة مراكز فى البصرة والكوفة وقرطبة وغيرها مما كان في الأصل مدارس دينية تستند إلى الجوامع سلسلة من الجامعات العظيمة أضاء نورها بعيداً فيما وراء العالم الإسلامي وجذب إليه الطلاب من الشرق والغرب. وفى قرطبة على وجه الخصوص كان هناك عدد من الطلبة المسيحيين . ولقد كان تأثير الفلسفة
العربية التي أتت من طريق أسبانيا إلى الجامعات بباريس وأكسفورد وشمال إيطاليا على التفكير الأوربي جليلا » . وقد نبغ في العرب عدد كبير من عظام الأطباء كالرازي وابن سيناء والقاسم بن على وبقيت كتبهم تدرس في أوربا عدة قرون . وظل كتاب القانون لابن سينا إنجيل الطب المقدس في أوربا نحواً من ستة قرون. واعترف الغرب قروناً طويلة بسيادة العرب في علم الطب وقد تخطى الاهتمام بالطب الرجال إلى النساء فكان منهن طبيبات بارعات بل كان منهن من تولت مشيخة الطب في بعض البلاد وكان الطبيب فى أول عهد الدولة الإسلامية يكتفى لمزاولة مهنة الطب بالدراسة على أى طبيب من النابغين في عصره . حتى إذا أنس من نفسه القدرة على مزاولة المهنة ، باشرها بغير قيد أو شرط . ولكن حدث فى عهد الخليفة المقتدر في سنة 319 هجرية ( 1931 ميلادية) أن طبيباً أخطأ في علاج مريض فمات. فأمر طبيبه سنان بن ثابت – وكان يقوم على إدارة مستشفيات بغداد في ذلك العهد – بأن يمنع من مزاولة المهنة إلا من اشتهر بالحذق وأطباء الخليفة . ويعطى لكل من ينجح في الامتحان شهادة بما يرى أن يخوله عمله من فنون الطب . وبلغ
21 عدد الأطباء الذين تقدموا لهذا الامتحان ثمانمائة وستين طبيباً . وقد أمر الخليفة محتسبه ( ويشبه منصب رئيس البوليس المدنى والنائب العام » أن يمنع من مزاولة المهنة كل من أسقطه سنان في الامتحان . وقد صار النظام بعد ذلك أنه متى أتم الطالب دروسه يتقدم إلى رئيس الأطباء فى القطر المصرى بوصفه أكبر الأطباء ويطلب إليه إجازة بمزاولة المهنة . وكان الطالب يتقدم إليه برسالة أشبه برسالة الدكتوراه الآن في الفن الذي يريد مزاولته . وتكون هذه الرسالة له أو لأحد مشاهير الأطباء المتقدمين أو المعاصرين يكون قد أجاد دراستها . فيمتحنه فيها ويسأله في كل ما يتعلق بما فيها من الفن . فإذا أحسن الإجابة أجازه الممتحن بما يطلق له التصرف فيه من الصناعة تتبع واشتهر العرب بأنهم كانوا أول من أسس المستشفيات العامة أو البيمارستانات، كما كانوا يسمونها ، وهي كلمة فارسية بمعنى دور المرضى ، وكان أول ما عرفوه منها المستشفيات الحربية المتنقلة الفتوح والغزوات وتعمل فيها النساء ، وكان هذا جهادهن . وكان أول ما أسس من المستشفيات العامة في عهد الوليد بن عبد الملك فى سنة 88 هـ – ( 706 م ) ثم تتابع الأمر حتى غصت حواضر الإسلام من سمرقند إلى فاس وإلى غرناطة بالمستشفيات تحبس عليها الأوقاف ويرتب لها الأطباء والصيادلة والممرضون .
22 وكان لكل مستشفى صيدلية خاصة وخزانة للكتب والمؤلفات الطبية . وكانت تدرس هذه المستشفيات العلوم بطريقة منظمة وتعطى للمتخرجين منها شهادات فى نهاية الدراسة . وكانت تشبه مستشفياتنا إلى حد كبير من حيث اختيار الموقع والتنظيم الإدارى وقبول المرضى والتدريس والامتحانات والترخيص بمزاولة المهنة . وكانت ممارسة الطب تجرى تحت رعاية الخليفه وبإشراف كبير من الأطباء . ولأجل التعيين فى المستشفى كان يجب أن يكون الطبيب حاصلا على رخصة ويؤدى امتحاناً في الموضوع الذي تخصص فيه ، وقد عدد ابن القيم أنواع الأطباء في ذلك العهد بين ) طبائعي ( يطب بوصفه وقوله و ) كحال ) يطب بمروده و ( جرائحي ) يطب بمبضعه ومراهمه و ( خاتنى) بموساه، وفاصد بریشته ، وحجام بمشرطه ومحاجمه ، ومجبر بخلعه ورباطه ، وكواء بناره ومكواته ، وحاقن بقربته وبين طبيب للناس وطبيب للحيوانات. وذكر القرشي أن من واجبات المحتسب أن يأخذ على الأطباء عهد أبو قراط فيحلفهم ألا يعطوا أحد أدواء مراً ولا يركبوا سماً ولا يصنعوا السمائم عند أحد من العامة ولا يذكروا للنساء الدواء الذي يسقط الأجنة ولا للرجال الدواء الذي يقطع النسل وليغضوا من أبصارهم عن المحارم عند دخولهم على المريض ولا يفشوا
23 الأسرار ولا يهتكوا الأستار . وقد قرر الفقهاء وجوب منع الطبيب الجاهل الذى يخدع الناس بمظهره ويضرهم بسوء طبه من العمل . وفى مسئولية الطبيب الجاهل حديث صريح ) من تطيب ولم يعلم عنه الطب قبل ذلك فهو ضامن وقد رتب علماء الشرع على ذلك أن الجاهل إذا أوهم المريض بعلمه فأذن له بعلاجه لما ظنه الطبيب . . من معرفته ، فمات المريض أو أصابه تلف من جراء هذا العلاج فإن الطبيب يلزم بدية النفس أو بتعويض التلف على حسب الأحوال . ولكنهم ينفون عنه القصاص استنادا إلى الطبيب الجاهل إذا كان قد عالج المريض فهو قد عالجه بإذنه ولا ينفون عنه التعزير بالضرب أو الحبس أو الغرامة . ولكن علماء الشريعة ينفون المسئولية المدنية عن الطبيب الجاهل إذا كان المريض يعلم أنه جاهل لا علم له وأذن له بعلاجه رغم ذلك . أن هذا لا يخالف ظاهر الحديث . بل إن سياق الكلام وعندهم فيه يقتضيه حيث استعمل الرسول كلمة ( تطبب ) بدلا من كلمة ( طب ) ولفظ التفعيل يدل على تكلف الشيء وأن فاعله ليس من أهله كتشجع وتصبر وما إليها أما الطبيب الحاذق فلا يسأل عن الضرر الذي يصيب المريض ولو مات المريض من جراء العلاج . ما دام المريض
24 قد أذن له بعلاجه ولم يقع من الطبيب خطأ في هذا العلاج . بل كان الضرر أو الموت الحاصل نتيجة أمر لم يكن في حسبان الطبيب أو ما نسميه نحن الآن بما لا يمكن توقعه ولا تفاديه . فإذا كان العلاج بغير إذن المريض أو إذن وليه إذا كان قاصراً أو مجنوناً فإن الطبيب الحاذق يكون مسئولا عن الضرر الذي يمكن أن يحدث فى هذه الحالة . على اعتبار أنه تولد من فعل غير مأذون فيه . والضمان يكون بالدية على عاقلة الطبيب ألى عائلته رغم أما إذا أخطأ الطبيب في تطبيق العلاج – كأن سبقت يده إلى غير موضع العلاج فنال الجسم أو عضواً منه بتلف – فإن الطبيب يكون مسئولا في هذه الحالة حذقه – أو إذن الشارع – وإذن المريض . ولكنهم ينفون عنه المسئولية فيما قل عن الثلث . ولعل حكمة ذلك أن يترك للطبيب مدى للعمل بغير خشية المسئولية وكان للطبيب الحرية التامة فى العمل والتجريب واستنباط الأساليب المناسبة للعلاج وكانت التجارب تدون في كتب خاصة ليقرأها الجمهور من الأطباء . وكان لبعض الأطباء أنواع من العلاج هي من مبتكرات قرائحهم الإسلامية تبيح للأطباء الاجتهاد في علاج الأمراض فلا يسأل والشريعة
20 الطبيب ولو خالف بعض آراء زملائه متى كان رأيه يقوم على أساس سليم وفى جميع الصور المتقدمة فإن المفهوم أن الطبيب الحاذق قد أعطى الصناعة حقها وبذل غاية جهده ولم يحصل منه تقصير في البحث أو الاجتهاد. كأن يهمل في فحص المريض . أو يتسرع فى وصف الدواء فيترتب على ذلك ضرر بالمريض أو وفاته وقد نص فقهاء الشريعة على وجوب الضمان على الطبيب الذي يحصل منه مثل هذا التهاون لأن فيه تعدياً على الأرواح بالإتلاف . وقد أجمعوا على أن التقصير من التعدى وعلى وجوب الضمان عند ذلك إن لم يجب القصاص وقد تعرف الأوربيون إلى الثقافة الإسلامية وهي موشكة على الانهيار . فبدأت الثقافة التى كان العرب قد أخذوا بعضها من الغرب ، تعود إلى الغرب من جديد . وكثرت الترجمة عن العربية في القرنين الثانى عشر والثالث عشر . وظل منهج الدراسة الطبية في الجامعات الأوربية إلى القرن الخامس عشر مستنداً إلى المراجع العربية في معظمه . فكان يدرس إلى جانب أبقراط وجالينوس ابن سيناء والرازي وغيرهما. وكانت الترجمة من العربية مادة أساسية من مواد الدراسة .
۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔
26 حق العلاج ينص القانون العقوبات على عقاب من يجرح أحداً عمداً أو يعطيه مواد ضارة فيفضى به إلى الموت ولو لم يقصد من ذلك قتلا . كما ينص على عقاب من يتسبب في قطع أو انفصال عضو أو فقد منفعته . أو كف البصر ، أو فقد إحدى العينين ، أو عاهة يستحيل برؤها ، أو مرض ، أو عجز عن الشخصية فترة طالت أو قصرت . الأشغال وكان الدكتور مندليف قد قرر أنه توجد في الطبيعة ثلاثة وتسعون مادة لا تدخل كلها فى تركيب الجسم البشرى . بل يدخل فى تركيبه من هذه المواد اثنتان وعشرون مادة ليس غير ، توجد في الجسم بمقادير محدودة . ولكن الأدوية التي تعالج بها الأمراض ليست مقصورة على هذه المواد الاثنتين والعشرين ولذلك كانت سموماً تؤذى الجسم . ومن ثم فإنها تعطى للمريض بمقادير صغيرة ، لو تجوز مقدارها فقد تؤدى إلى الوفاة . كما أن أى مقدار زائد عن الحد من المواد الداخلة في تركيب الجسم البشرى تدخل في حكم هذه المواد الضارة لأنها في هذه الحالة تؤذيه ويشترك في وصف الضرر مع جميع هذه المواد الفكسينات
27 التي تشمل الميكروبات الميتة أو المستضعفة ، والأمصال المستخرجة من دماء الحيوانات التى لقحت بهذه الميكروبات وغير ذلك مما يحقن به الناس للوقاية أو للعلاج ، على أساس أنها توجد في الجسم نوعاً من المواد المضادة تبطل مفعول المكروبات الحية. فإن جميع هذه المواد هى أشياء ضارة قد يترتب على إعطائها مرض أو عجز أو عاهة ، وقد تؤدى إلى الوفاة وتشترك مع الأدوية في إمكان إحداث الضرر كذلك سائر الوسائط الأخرى للعلاج . فأنواع الأشعة المختلفة والكهرباء قد يترتب عليها أضرار جمة من حرق أو غير ذلك . كما أن الجراح يحدث في العمليات الجراحية جراحا بالمريض . وقد يبتر له عضواً ويؤدى بذلك إلى تخلف عاهة مستديمة ، بل قد تكون نتيجة العملية في بعض الأحوال الوفاة ولكن أحداً لا يقول بأن القانون يمنع الطبيب من ذلك أو يعاقبه عليه أو يلزمه بالتعويض إن هو فعله في مزاولته للمهنة بل إن من حق الطبيب أن يقتضى أجره على العلاج الذي قام ، وعلى العمليات الجراحية التى يجريها ، ولو لم يشف المريض، أو تخلفت له عاهة مستديمة ، بل حتى لو توفى من جراء العلاج أو العملية الجراحية وقد اختلف الشراح في التكييف القانوني لعدم مسئولية
28 الطبيب عن الأضرار التى تحدث في أثناء مزاولته لمهنته ، ، والرأى المعول عليه هو أن إعفاء الطبيب من المسئولية في المزاولة العادية لمهنته يرجع إلى عناصر ثلاثة : واحد رئيسي ، هو إذن القانون، واثنان بمثابة الشرطين منه ، أولهما توجيه الأحكام العامة للقانون وهو رضاء المريض ، والثانى يوجبه الغرض الذي من أجله نظمت المهنة الطبية وهو قصد الشفاء فالسند الأول لإعفاء الطبيب من المسئولية عن الأضرار التي تنجم من المزاولة العادية للمهنة هو ترخيص الدولة . فإذا كنا نبيح للطبيب أن يجرى أعمالا لو قام بها سواه لعاقبناه طبقاً لقواعد القانون العام ، فإن سبب هذا الامتياز إنما يقوم على تدخل السلطة العمومية التي رأت بحق أن صالح الهيئة الاجتماعية يقضى بهذا الإعفاء لهذه الفئة من قواعد القانون العام . ومن هنا كان سنها للقوانين واللوائح المنظمة لمزاولة مهنة الطب . فهذه القوانين بما تفرضه من دراسات خاصة بالطب ومن شروط معينة لمزاولة المهنة ، وتحديد للأعمال الطبية الداخلة في اختصاص كل فئة من رجالها ، وقصر مزاولة المهنة في حدودها المذكورة على هؤلاء الرجال – هذه القوانين هي السند الأول لإعفاء الطبيب من الأضرار التى تحدث فى أثناء مزاولته العادية لمهنته ، وإلا كان تناقض بين تعليم الطب وتنظيمه وبين العقاب على إصابات العلاج.
29 غير أن الطبيب الذى حصل على الإجازة العلمية . وعلى الترخيص بمزاولة المهنة ، لا يستطيع إذا لقي مريضاً في طريقه أن يرغمه على الذهاب إلى المستشفى لأجل أن يجرى له عملية جراحية يراها ضرورية لتحسين حالته . ولذلك فإن هذا الحق للطبيب فى العلاج يتحدد بالحقوق التي يملكها على جسده كل إنسان . ومن هنا كان رضاء المريض هو العنصر الثاني من عناصر نفى المسئولية عن الطبيب . وإلى جانب هذين الشرطين : ترخيص الدولة ، ورضاء المريض ، فإن هناك عاملا آخر يجب أن يتوفر أيصاً لتمام إعفاء الطبيب من المسئولية . وهذا الشرط يقوم على الغرض الذي توخاه الشارع من هذا الترخيص للطبيب بمزاولة مهنته ، وذلك هو قصد الشفاء . فليس للطبيب أن يجرى غير الأعمال التي يكون القصد منها شفاء المريض . فإذا خالف ذلك فهو قد أتى فعلا معاقباً عليه . وهذا الشرط هو الذى يحرم على الطبيب إجراء العمليات الجراحية للتخلص من الخدمة العسكرية مثلا . ولكنه يبرر قتل الجنين في بطن أمه إذا لم توجد وسيلة أخرى لإنقاذ حياة الأم . فإن العملية تحمل بالنسبة لها صفة الشفاء ، لأنها إنما تعمل لغرض إنقاذ حياتها . والآن فإننا سنتكلم على هذه الشروط الثلاثة بالترتيب الذي ذكرناه
وهو الترتيب الطبيعى لورودها . ولا شك أن ترخيص الدولة للقائم بالعلاج بمزاولة هذا العلاج على وجه العموم هو أول ما يجب أن يتوافر فى المعالج . ثم يأتي بعد ذلك رضاء المريض بأن يجرى هذا المعالج على جسده ما يراه لعلاج حالته ، فإذا انتهينا من بحث صاحبي الشأن ، انتقلنا إلى بحث الغرض من العلاج وهو قصد الشفاء
31 إذن القانون ويمكن القول بالنظر إلى حالة التشريع القائم وإلى أنواع الفئات المشتغلة بالطب وبالمهن التي تتصل به أنه يمكن تقسيم هذه الفئات إلى ثلاثة أقسام رئيسية : أولا : طائفة الأطباء وتشمل الأطباء البشريين بالمعنى العام وهم الذين عهد إليهم المشرع بعلاج أمراض البشر الأطباء البيطريين الذين عهد إليهم المشرع بعلاج أمراض الحيوانات . وينقسم الأطباء البشريون انقساماً آخر إلى فئتين : الأطباء البشريين بالمعنى الخاص وهم الذين يختصون بعلاج الأمراض البشرية عامة ، وأطباء الأسنان وهم الذين قصر الشارع اختصاصهم على علاج أمراض الفم والأسنان ثانيا : طائفة أصحاب المهن المعاونة للطب . وتشمل الصيادلة فيما يتعلق بحوادث الطريق والأحوال المستعجلة ، والمولدات في الولادات البسيطة . ثالثا : المهن التابعة أو الخاضعة للطب، وتشمل الممرضين ، والمدلكين ، والمشتغلين بالكهرباء والتجبير ، وصانعي الأسنان، وصناع النظارات والأحزمة والأعضاء الصناعية . ويقتصر عملهم
32 على تنفيذ وصفات الطبيب كل في ميدان اختصاصه رابعا : المهن المكملة للطب من حيث إنها تعمل على تحسين الصحة الجسدية أو النفسية بوسائل قريبة من الوسائل الطبية وتدخل تحت هذه المهن : العلاج النفسي والرياضة البدنية ، وقد صدر قانون خاص بتنظيم مهنة العلاج النفسي يقصر عمل المعالج على الأمراض النفسية دون البدنية والعقلية وقد قضى بأنه ليس من حق المعالج الرياضي أن يتدخل في الأعمال التي هي من صميم عمل الطبيب كأن يفحص المريض أو يصف له علاجاً داخلا في دائرة الطب . وأعدت وزارة الصحة لائحة لتنظيم مهنة الرياضة البدنية العلاجية ونص في المذكرة التفسيرية على أن اللائحة لا تشمل إلا من يباشر إجراء التمرينات الرياضية البدنية الطبية بقصد علاج مرض معين. أما الرياضة البدنية التي يقصد بها مجرد تنشيط الأعضاء وتحسين الصحة بصفة عامة فلا تشملها اللائحة
رضاء المريض إن الرضاء بالعمل الطبي أو الجراحي يجب أن يصدر من المريض ذاته طالما أنه مدرك واع . ولا يغنى عن رضاء هذا المريض رضاء أبيه أو رضاء رئيس العائلة . كما أنه لا يغنى عن رضاء الزوجة رضاء زوجها طالما أنها مدركة واعية . ولكن ماذا يكون الحكم إذا عارض الزوج في إجراء العمل الجراحي لزوجته. قررت اللجنة الإدارية للمستشفيات في بلجيكا أن القانون يقضى على الزوجة بأن تطيع زوجها ولكن ذلك لا يعطى السيادة للزوج فى الحياة الزوجية إلا فيما يتعلق بالمصالح المشتركة للعائلة فلا حق له فى استخدامه فى الاعتداء على المصالح الفردية للزوجة. ومن ذلك حق الحياة. وبالتالى حق اللجوء إلى العلاجات الطبية والجراحية ومن جهة الطبيب فإن رضاء المريض يجب أن يفترض أنه خاص بالطبيب الذى رضى هذا المريض أن يجرى له العمل الجراحي الذي اتفق معه عليه فإذا أجرى العملية طبيب آخر دون أن يحصل على هذا الرضا – ولو أن المريض كان قد رضى بإجراء العملية فى ذاتها فإن هذا الطبيب يسأل عن تعديه .
34 وقد جرت العادة فى المستشفيات على أن يقوم طلبة الطب في المستشفى بإجراء العملية بدلا من أستاذهم ؛ وهو إجراء يمكن افتراض أنه من الأمور المسلم بها ولكن ذلك لا يكفي لإخلاء الطبيب من المسئولية فلا شك أنه يسأل عن الأضرار التي يمكن أن تترتب على ذلك . ولكن إذا حدث في أثناء إجراء عملية لازمة لإنقاذ حياة المريض. ولم يكن مستطاعاً أخذ رأيه في إحلال جراح محل الجراح الأصيل . فإنه لا مسئولية على البديل في هذه الحالة . وذلك استثناء بحكم الضرورة . والرضا الصادر من مريض معين بخصوص علاج أو عملية معينة يجب أن يكون مقصوراً على هذا العلاج أو العملية بعينها . فإذا تقدم المريض إلى الطبيب لأجل أن يجرى له عملية المصران الأعور . فليس من حق الطبيب أن يفتش في بطن المريض في خلال ذلك ويجرى له طائفة من العمليات الأخرى بغير إذن بذلك . ولكن لا شك أن من حق الطبيب أن يجرى في أثناء العملية المتفق عليها أية عملية أخرى يتضح لزومها لإنقاذ حياة المريض . ويجب أن يصدر رضا المريض بالعمل الطبي أو الجراحي عن إرادة حرة . وعلم صحيح فيجب أن يعرف المريض حقيقة حالته . وأهمية العلاج بالنسبة له .. والخطر الذي يمكن أن
35 ينجم عنه . وقد عرضت على القضاء المصرى قضية طبيب ذهب إليه زوج مع زوجته . ورفضت الزوجة إجراء الكشف عليها فهددها الزوج بالطلاق وأفهمها الطبيب بأنه سيعطيها حقنة فقط فقبلت تحت هذا التأثير. وأعطاها الطبيب حقنة مخدرة . وكشف عليها بمنظار وهى تحت تأثير المخدر. فلما أفاقت وجدت الدم يسيل من رحمها. ونقلت بسبب ذلك إلى المستشفى وظلت فيه زمناً أجريت لها فيه عملية تفريغ للرحم . وقد قضت المحكمة بمسئولية الطبيب مقررة أنه إذا كان من المسلم به فقها وقضاء أنه يجوز للطبيب فى قيامه بوظيفته المرخص له بها . وفى سبيل المحافظة على صحة الناس اتخاذ ما يلزم من وسائل الطب بقصد العلاج فإن ذلك مشروط بأن يرضى المريض بذلك رضاء غير مشوب . وأن يمارس الطبيب عمله فى حدود قواعد المهنة الطبية وواجباته كطبيب . وإلا وجبت مساءلته عن الأضرار التي يسببها للمريض . ولكن المرضى يختلفون بين مريض ثابت رزين يستطيع الطبيب أن يدلى إليه بالحقيقة كاملة . ومريض عصبى قد تصده الحقيقة عن طلب العلاج . مع ضرورته لإنقاذ حياته . والأمل على كل حال عنصر هام من عناصر الشفاء . على حين أن الخوف والذعر من الحالة ومن نتيجة العملية قد تترتب عليها
36 المضرة بالمريض. وهناك حالات كثيرة يكون من الملائم فيها أن يجهل المريض خطورة حالته . وفى مثل هذه الأحوال يجد الطبيب نفسه مضطراً إلى أن يخفى عن المريض حقيقة حاله . والخطر الذي سوف يتعرض له من جراء العملية . ويرى بعض الشراح أنه إدخالا للثقة إلى نفسه ومنعاً من المخاوف التي تزيد حساسيته في مثل هذه الحالة يكفى أن يطلع أهل المريض على حقيقة ويكتفى بأن يذكر للمريض ذاته الأضرار التي يمكن أن تعود من جراء إهمال العلاج حتى يحمله بذلك على قبوله بدون الدخول في التفاصيل الطبية الحال .. وهناك أحوال معينة يمكن للطبيب فيها أن يتجاوز عن رضا المريض . وتلك هى الأحوال التي يقضى فيها نص قانونى عام أو خاص بمثل هذا التجاوز لصالح المريض ذاته أو لصالح عام يدعو إليه ، كوقاية الجماعة البشرية أو الأجيال المقبلة من الأمراض أو الأخطار . أو صيانة الحياة الاقتصادية ، أو الدفاع عن الدولة أو تحقيق العدالة . من ذلك حالة ما إذا كان المريض في حالة من الخطورة تبرر طبقاً للمادة 61 من قانون العقوبات الخاصة بأحوال الضرورة ما يجرى لإنقاذ حياته ولو كان ذلك على الرغم منه . كذلك ما نصت عليه القوانين واللوائح الخاصة بالوقاية من الأمراض المعدية كالجدري والدفتريا
37 والكوليرا والطاعون والحمى التيفودية والحمى الصفراء وبعلاج المصابين بأمراض معدية كالكوليرا والطاعون والجذام والبلهارسيا والأمراض الزهرية وحجز المصابين بالأمراض العقلية الذين تكون فيهم خطورة على الناس وعلاج العمال الذين يصابون في حوادث العمل ، ورجال الجيش والمتهمين والمحكوم عليهم
قصد الشفاء انتهينا في الفصلين السابقين إلى أن الطبيب لا يحق له أن يقوم بعلاج المريض إلا إذا كان هذا الطبيب مرخصاً له بالعلاج ، وحصل على إذن المريض أو من يقوم مقامه بهذا العلاج . وبقى أن نتكلم عن الشرط الثالث والأخير من شروط انتفاء المسئولية عن الطبيب . وهو أن تكون غايته من إعطاء الدواء أو العمل الجراحى منصرفة إلى العلاج لا إلى أية غاية أخرى . ومعنى ذلك أن يكون غرض الطبيب من الأعمال التي يقوم بها على المريض شفاءه من مرض ألم به وفى بعض الأحوال يكون الحكم واضحاً بنص صريح في القانون العام أو بعض القوانين الخاصة . ومن الحالات التي ورد بشأنها نص صريح في قانون العقوبات : الإجهاض . وتكلم قانون المخدرات عن تسهيل تعاطى المخدرات. وتكلم قانون التجنيد عن إجراء الجراحة أو نحوها بقصد الإعفاء من الخدمة العسكرية وثمة أحوال أخرى لم يرد بشأنها نص فكانت مثار بحث . من ذلك قتل المرضى غير القابلين للشفاء ، وجراحة التجميل . ويعرف الإجهاض بأنه إسقاط المرأة ولدها ناقص الخلق ، 38 1
39 أو خروج متحصلات الرحم قبل الوضع المعتاد . وهو يختلف عن منع الحمل فى أن الأخير يجرى قبل أن يحدث التلقيح كما يختلف عن قتل الجنين فى وقت الوضع لاستحالة إخراجه ولو بعملية جراحية على الأم نفسها . ويحصل الإجهاض كثيرا بالطبيعة حتى لا يقال إن فى كل ثلاث نساء واحدة يحصل لها الإجهاض ولو مرة واحدة فى حياتها . ومثل هذا الإجهاض الطبيعي لا عقاب عليه بطبيعة الحال . أما إذا حدث الإجهاض بفعل فاعل بغير تعمد الإجهاض ذاته فقد يعاقب عليه كضرب أو جرح . ولكن لا يعاقب عليه كإجهاض . أما الإجهاض الذي نص قانون العقوبات على عقابه بالمواد 260 وما بعدها فهو الإجهاض الجنائى الذى يؤتى عمدا . ولكن الإجماع یکاد يكون منعقداً على أنه تعنى من العقاب حالة ما إذا كان الإجهاض قد أجرى على المرأة بقصد إنقاذ حياتها من خطر على صحتها من الحمل أو الولادة . والإجهاض يعد جائزا في هذه الحالة التوافر شرط قصد الشفاء فيه بالنسبة للأم . وفيما يتعلق بقتل المرضى غير القابلين للشفاء فقد يحدث أحياناً أن يجد الطبيب نفسه بإزاء مريض غير قابل للشفاء ويعرف المريض سوء حاله ويضيق ذرعاً بالآلام التي يلاقيها ،
وفى هذه الحالة يطلب من الطبيب أن يريحه بالموت من هذا أو العذاب. فهل يحق للطبيب أن يجيب هذا الطلب ؟ ثار الجدل بين رجال الدين والاجتماع والطب حول إباحة عدم إباحة قتل المرضى غير القابلين للشفاء . وذهبت الكثرة إلى عدم إعطاء الطبيب هذا الحق لأن في ذلك تحريضاً على الجريمة أو على الأقل على التحكم في حياة البشر فضلا عن الخشية من سوء استعمال هذا الحق ، وهو في القانون المصرى محرم قطعا . وفيما يتعلق بجراحة التجميل فإنه يبدو لأول وهلة أن جراحة التجميل غير جائزة إطلاقا ، لأن الغرض منها ليس علاج مرض بل مجرد التجميل . وقد اختلفت الدول بين إجازتها أو عدم إجازتها . ولكن الرأى المعول عليه أن الجراحة التجميلية تخضع للقواعد العامة التي تخضع لها الجراحة العلاجية ، فاشترط أن يكون هناك علة تبرر المساس بحرمة الجسم البشرى وأن يكون ثم تناسب بين الخطر الذى يتعرض له المريض ، والفائدة التي يرجوها من العمل الجراحى التجميلي . وقد روعي في ذلك أن العيوب الجسمية لها تأثير عظيم على الحالة النفسية للمصاب بها وللأمراض النفسية خطرها على الحالة الجسمية نفسها .
41 أخطاء الأطباء نص قانون العقوبات على عقاب من يقتل آخر أو يصيبه يجروح خطأ فى المواد 238 و 244 فإذا حدث أن الطبيب الذي رخص له من الدولة، ودعى من المريض صراحة أو ضمنا ، ولغرض العلاج أخطأ فى علاج المريض ، فمات ، أو أصيب بضرر نتيجة هذا الخطأ. فهل يسأل عن ذلك طبقاً لنصوص. يستمتع قانون العقوبات . وما هو مدى هذه المسئولية ؟ . كان فريق من الأطباء يرى أن الطبيب يجب أن بنوع من الإعفاء تام من نتائج أخطائه . وفى اجتماع للجمعية الطبية في فرنسا لوضع مشروع قانون لمزاولة مهنة الطب اقترح بعض الأطباء أن ينص على عدم جواز رفع الدعوى على الطبيب . وقيل في تعليل ذلك إن الطبيب لا يصح أن يسأل بالنظر للضمانات التى تقدمها للجمهور الهيئات الطبية . وهو لا يستطيع أن يصدر بإزاء المريض إلا عن ضميره . ولا يمكن أن يتطلب منه أن يعمل أكثر مما عمل من حيث القوة أو المهارة أو الذكاء . وقد ذهب أنصار هذا الرأى إلى أنه لا يجوز مساءلة الطبيب حتى مدنيا عن أخطائه. وحرصت الجمعية الطبية عند النظر في
کیا 42 اجتماعها المشار إليه على أن ينص على أن لا تطبق حتى المواد الخاصة بالتعويض فى القانون المدنى على الأطباء . وقال بعض الشراح إنه لا حاجة إلى نص كهذا فإن هذه المواد هي مواد عامة لا شأن لها بالطبيب لأن العمل الذي يقوم به هو عمل له طبيعة خاصة . تخضع مزاولته لقانون خاص . ولو أن المشرع أراد النص على مسئولية الأطباء عن أعمال مهنهم لنص على ذلك في قانون مزاولة مهنة الطب … ويمكن حصر الأسباب التى يستند إليها دعاة الإعفاء التام للأطباء من كل مسئولية فيما يلى : أولا : الدبلومة التى حصل عليها الطبيب . والتي رخص له من الدولة على أساسها بمزاولة عمله ثانيا : حرية المريض فى اختيار طبيبه . فإن من واجب المريض أن يحسن اختيار الطبيب الذي يقوم على علاجه فإذا أخطأ فى ذلك ، وترتب على هذا الخطأ أن أصابه ضرر نتيجة ذلك الخطأ ، فهو قد ارتكب نوعاً من الخطأ يجعله مسئولا عما أصابه . ثالثا : إن مهنة الطب لا تصلح ولا تتقدم إلا إذا منح غير الطبيب تفويضاً مطلقاً فى أمر المريض .. فإن الطب ثابت ، يقوم التشخيص فيه أكثر ما يقوم على الحدس
43 والاستنتاج . مما يؤدى إلى سهولة حصول الخطأ فيه . فيجب أن يترك للطبيب مطلق الحرية فى مباشرة علاجه بغير خوف الصالح المريض ، وإلا ترتب على ذلك تقليل فرصة الشفاء أمام المريض وجمود العلم عموماً . وأخيرا فإن الطب دائم التطور فما كان يعد علاجاً صحيحاً فيما مضى قد يكون معتبرا الآن علاجاً خاطئاً. كما أن ما كان يعد علاجاً خاطئاً قد يصبح بعد حين هو العلاج الصحيح ويرد على ذلك بأن الدولة ليست تمنح الدبلوم من أجل مصلحة حامله بل من أجل مصلحة الجمهور في المقام الأول فهى تريد أن تقول إن الذين لم يحصلوا على الدبلومة ليسوا حائزين على معلومات تخول لهم ممارسة المهنة التي تؤهل لها هذه الدبلومة . على حين أن الذين حازوها قد حصلوا على قدر كاف من المعلومات يؤهلهم إلى أن يمارسوا تلك المهنة . ولكن الدبلومة لا يمكن أن تعنى شيئاً أكثر من هذا . فهى لا تعنى أن حاملها معصوم من الخطأ . ثم إن دبلومة الطب لا يمكن أن تعنى كفاءة الطبيب إلا في وقت معين هو الوقت الذي اجتاز الامتحان فيه ، وبالنسبة للظروف العلمية التى كانت سائدة في ذلك الوقت وأن الطب – شأنه في ذلك شأن سائر العلوم – آخذ في التطور والارتقاء على مر الزمن . فلو أننا سلمنا بإعفاء الطبيب من
44 المسئولية استناداً على الدبلوم الذي يحمله لشجعناه بذلك على عدم العناية بتتبع . الأبحاث والاكتشافات التي يقوم بها زملاؤه ولترتب على ذلك أعظم الأضرار بصحة مرضاه ومن جهة حرية المريض فى اختيار طبيبه فإن القول بأن المريض حر فى أن يختار الطبيب الذي يعالجه ليس صحيحاً في جميع الحالات. فهناك حالات يفرض فيها الطبيب على المريض فرضاً . فقد يحدث أن يصاب المرء بالمرض فجأة فيؤتى له بأقرب طبيب ، فإذا حدث أن أخطأ المريض فعلا في اختيار طبيبه كأن ذهب إلى طبيب أسنان في مرض باطني ، ، أو إلى طبيب بيطرى أو رجل غير طبيب إطلاقاً . فلا مجال للريب في أن اللوم في هذه الحالة يقع على المريض ، ولكن حتى هذا الخطأ من جانب المريض لا يمكن أن يعنى الطبيب الذي يقوم بالعلاج فى هذه الأحوال من المسئولية عن خطئه الآخر. لأن العقاب هنا هو حق للهيئة الاجتماعية ولا شأن له بالمجنى عليه هو ومن جهة كون الطب علماً غير ثابت فلا مجال للريب فى أن علم الطب لم يصل بعد حتى في هذا العصر إلى أن تكون له صفة الاستقرار المعروفة للعلوم الثابتة . ولكن ذلك لا ينفى أن علماء الطب قد اتفقوا على عدد معين من القواعد الرئيسية
سواء فيما يتعلق بالتشخيص أو فيما يتعلق بعلاج معظم الأمراض . ولا شك أن هناك أمراضاً لا يصح أن يخطىء في تشخيصها الطبيب كما أن هناك احتياطات تقررت وثبتت منذ نحو قرن وتعتبر الآن أساسية. من ذلك التعقيم . فالجراح الذي يهمل اتخاذ إجراءات التعقيم العادية لا مجال للشك في أنه يرتكب خطأ أكيدا وإهمالا يستحق العقاب وقد رفض القضاء سواء فى فرنسا أو في مصر أن يأخذ بنظرية عدم مساءلة الأطباء عن أخطائهم سواء من الناحية المدنية أو من الناحية الجيئانة ولكن كان من الطبيعى بالنظر لطبيعة المهنة الطبية وكونها مهنة جدلية تقوم على التخمين والتجارب وتتضارب فيها الآراء والنظريات وتتطور بحيث قد يعد الآن خطأ ما كان يعد صحيحاً منذ حين – أن تكون مسئولية الأطباء مقصورة على الأخطاء القابلة للإدراك والتقدير ، ومبنية على الأسس والقواعد العلمية الثابتة التي لا خلاف عليها بين الأطباء وأن القضاة يمنع النظر فى المسائل النظرية والمناقشات العلمية . من ويلاحظ أن القاضى لا يحكم منفرداً في القضايا الطبية بل يستعين برأى الخبراء عند اللزوم. وقد أجاز له القانون ذلك في الأحوال التى يتطلب الفصل فيها العلم بمسائل فنية لا يستطيع
46 القاضي الإلمام بها . ولكن الاعتماد يجب أن يكون دائماً على تقدير القاضى . وللمحكمة مطلق السلطة في تقدير الأدلة وفى قبولها أو عدم قبولها اكتفاء بما لديها . بل للمحكمة الحق في رفض طلب تعيين خبير بدون أن يكون في ذلك أية مخالفة للقانون . طالما أنها قد بينت سبب هذا الرفض في حكمها . كما أنه من المسلم به أنه فى حالة ندب خبير ، فإن المحكمة لا تكون مقيدة بتقريره . بل إنه ليس لهذا التقرير قيمة قضائية أكبر من شهادة الشهود . فللقاضى إذا شاء أن يأخذ به ولكنه ليس ملزماً بذلك . بشرط أن يبنى الأسباب التي دعت إلى اطراحه إياه . وقد قضى بأنه يجب أن لا يؤخذ برأى الخبراء من الأطباء فى قضايا الأطباء على علاته لأنهم يعطفون على الطبيب بحكم أنه من أبناء مهنتهم وقد هالت الأطباء هذه السلطة المطلقة للقضاء في قبول تقارير الخبراء أو عدم قبولها وفى الحرية في الأخذ أو عدم الأخذ بمدلول التقارير التي يقدمونها . فطالبوا بأن يحكم في القضايا الطبية مجالس من الأطباء . وقد ردد مثل ذلك فى مصر بعض الأطباء في معرض التعليق على حكم المحكمة الإسكندرية قرر أنه يجب معاقبة الطبيب على
47 أقل خطأ واستعمال منتهى الشدة الأخصائيين على الخطأ مع مهما كان يسيرا ، ويجب ألا يؤخذ برأى الخبراء لأنهم يعطفون على الطبيب بحكم أنه من أبناء مهنتهم . فقال إنه لا يمكن لأى قاض مهما كان حصيفاً أن يعرف ما في داخل الجسم ، أو ما يمكن أن يقوم أمام الطبيب فى عمله من عقبات ومضاعفات . واقترح أن يترك الحكم في القضايا الطبية لهيئة من نقيب الأطباء أو من يقوم مقامه وأشهر طبيب فى الفرع الذى أخطأ فيه الطبيب وقاض لتطبيق القانون على أنه على الرغم مما يجده الأطباء لهذه الاقتراحات من وجاهة . فإننا لا نستطيع أن نفهم لماذا يتميز بذلك الطبيب دون غيره من أصحاب المهن. فإنه لا توجد مهنة لا تنطبق عليها هذه الملاحظات التى يوردها الأطباء عن المهنة الطبية . مما يقتضى إنشاء محاكم خاصة لكل طائفة من أرباب المهن ، وفى ذلك ما فيه من تضحية للصالح العام في سبيل تحقيق المصالح الفردية للطوائف والواقع أنه لا محل مطلقاً للقول بإخراج الأطباء من نظام القضاء العادى. ولو أنه يجب النظر بعين الاعتبار إلى سهولة الخطأ في عالم الطب بسبب عدم التحديد الذي يسود حصول علم الطب والغموض الذى يوجد في الحالات الخاصة التي يدعى
48 الطبيب فيها فجأة ليبدي رأيه . ولكن هذا التحفظ فإن القانون العادى يجب أن يكون هو القاعدة في المسائل الطبية ، كما هو الحال فى غير ذلك من المسائل التي تتعلق بنظام الحياة الإنسانية . الخطأ وقد جرى البحث فيما إذا كان الطبيب يسأل عن بجميع درجاته جسيمها ويسيرها ، أو أنه يجب لإمكان مساءلته أن يقع منه نوع من الخطأ منه يسيرا فإنه لا يسأل عنه جسیم . فإذا كان الخطأ الذي وقع وقد فرق بعض الشراح بين الخطأ الجنائى والخطأ المدنى فقالوا إنه في القانون الجنائى يعاقب على الخطأ الجسيم وحده ، أما في القانون المدنى فيسأل الشخص عن الخطأ في جميع صوره. وهم يستندون في ذلك إلى أنه فى الخطأ المدنى يجرى البحث حول من يتحمل نتيجة الضرر الحاصل – هل هو الجاني الذي وقع منه الخطأ ، أو المجنى عليه الذى لم يقع منه خطأ ، وأن العدالة تقضى بأن يتحمل نتيجة هذا الضرر مرتكب الخطأ . أما في القانون الجنائى فإن المقام مقام عقوبة ويجب لذلك أن يكون الخطأ على جانب من الجسامة . لأن الملحوظ من حيث العقوبة مصلحة الجماعة بردع الجانى وغيره من الناس ، حتى لا يغفلوا الاحتياط الواجب لمنع الأذى عن الآخرين . والخطأ اليسير
49 الهين جائز على كل إنسان ولن يجدى العقاب في ردعه شيئاً ثم إن القول بوحدة الخطأ يوقع القاضي في الحيرة حين يتحرج من المسئولية الجنائية ويجد فى التعويض المدنى ما يكفي لإصلاح الضرر . ولكن لا يستطيع أن يقضى بالبراءة لأن ذلك يعنى تفويت التعويض على المجنى عليه . وذهب فريق آخر إلى أن هذه التفرقة في درجة الخطأ بين القانون الجنائى والقانون المدنى لا تقوم على أساس صحيح . فإن الصور التي أوردها قانون العقوبات للخطأ تتسع عباراتها وألفاظها لمعنى الخطأ فى كافة صوره الممكنة . بغير أى تفريق الجسيم بين ما يكون منها جسيماً أو يسيرا. فضلا على أنه لا يوجد ضابط يمكن من تقدير التفرقة بين الخطأ والخطأ اليسير . وأن من التناقض المعيب أن يقضى القاضى الجنائى ببراءة المتهم على اعتبار أنه لم يحدث منه خطأ يستوجب المساءلة ، ثم يقضى القاضي المدنى بالتعويض وإن ظروف الحياة الآلية التي نحياها الآن وتقدم المخترعات وما يتبع ذلك من تعريض الناس لكثرة من الأخطار ، تستلزم التشدد في عقاب من يتسببون في حوادث القتل والجرح ردعا لهم ولسواهم ، لا سيما وأن التعويض المدنى يكاد يفقد أثره في الردع ، بسبب انتشار التأمين ضد الأخطار والإصابات . وقد تكفل
القانون الجنائى برفع الحرج عن القاضي بترك الحرية له في الهبوط بالعقاب إلى حدوده الدنيا أو الأمر بوقف التنفيذ إذا وجد ما يدعو إلى ذلك وقد استقر القضاء البلجيكي منذ عهد طويل على الأخذ بنظرية وحدة الخطأ وتأيد ذلك بنص صريح في القانون كما استقر عليه القضاء الفرنسى منذ مستهل هذا القرن . أما في مصر فقد ذهبت الغالبية العظمى من الأحكام إلى عهد غير بعيد إلى الأخذ بنظرية ازدواج الخطأ. وفى تطبيق ذلك على الأطباء قضت محكمة جنايات الإسكندرية فى سنة 1941 ببراءة طبيب مع الحكم عليه بالتعويض لما رأت أنه تقصير جسيم يكفى لمساءلته مدنيا ، وإن لم يكف فى نظرها لمساءلته جنائيا ، ولكن محكمة النقض الملم تلبث أن رأت أن تأخذ بالاتجاه الذي أخذ به القضاء في بلجيكا وفى فرنسا . فأخذت فى سنة 1938 بالرأى القائل بوحدة الخطأ في جرائم الإهمال ثم أكدت هذا المعنى في حكم آخر صدر فى سنة 1943 قررت فيه أن القانون حين نص في المادة 244 من قانون العقوبات على عقاب كل من يتسبب في جرح أحد بلا قصد ولا تعمد بأن كان ذلك ناشئاً عن رعونة إلخ . . قد جاء نصه عاما تشمل عباراته الخطأ يجميع صوره ودرجاته . فكل خطأ مهما كانت جسامته يدخل في متناولها
۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔
ولذلك فإن الخطأ الذى يستوجب المساءلة الجنائية طبقاً للمادة 244 عقوبات لا يختلف فى أى عنصر من عناصره عن الخطأ الذي يستوجب المساءلة المدنية بمقتضى المادة 151 وأن الخطأ مهما كان يسيراً يكفي قانوناً لتحقيق كل من المسئوليتين . وقد أكدت محكمة النقض هذا المعنى مرة ثانية في حكم أحدث في سنة 1946 فإذا انتهينا إلى وحدة الخطأ الطبي في القانون الجنائي والقانون المدنى فإننا نصطدم بخلاف آخر بين شراح القانون المدنى حيث ذهب فريق منهم إلى التفرقة من حيث الخطأ الذي يسأل عنه الطبيب بين نوعين من الخطأ – الخطأ المادى والخطأ الفنى وقد عرفوا الخطأ المادى بأنه الخطأ الخارج عن مهنة الطب أو الخطأ الذى لا شأن له بفن الطب في ذاته . والذي يقع فيه الطبيب وهو يزاول مهنته دون أن يتعلق بالمهنة . ومن أمثلته أن ينسى آلة من الآلات الجراحية فى بطن المريض بعد الفراغ من العملية وخياطة الجرح ، أو يقدم على إجراء عملية وهو ثمل . الخطأ أما النوع الثاني فهو ما يعرف بالخطأ المتعلق بالمهنة وهو الذي يقع من الطبيب كلما خالف القواعد التي توجبها عليه مهنة الطب ، كأن يخطىء فى تشخيص المرض أو في العلاج الذي يجريه على المريض. أو يترك بلا سبب علاجاً ظاهراً
اتفق عليه الأطباء . ويرى هذا الفريق من الشراح وتابعتهم الخطأ المادى في ذلك بعض الأحكام أن الطبيب يسأل عن بجميع درجاته جسيمها ويسيرها . ولكنه لا يسأل فيما يتعلق بخطئه الفنى إلا عن الخطأ الجسيم وحده . وعلة ذلك عندهم هي عدم المسئولية . نفس العلة التي يستند إليها دعاة على أن فريقاً آخر من الشراح يقولون إنه لا محل لهذه التفرقة بين الأخطاء العادية والأخطاء الفنية . وأنه يجب مساءلة الطبيب عن جميع أخطائه عاديها وفنيها ، جسيمها ويسيرها . وعلى هذا الرأى كثير من علماء القانون المحدثين في فرنسا وفى مصر . وعند هؤلاء الشراح أن القول بمساءلة الطبيب عن أخطائه الجسيمة وحدها لا سند له من القانون . لأن النصوص القانونية التي رتبت مسئولية المخطىء عن خطئه وردت عامة لم تفرق من ناحية الخطأ بين درجاته الهين منها والجسيم ، كما أنها لم تفرق من ناحية المخطئين بين الفنيين وغير الفنيين . أما الأحكام الطبية التي استند إليها في تبرير التفرقة بين الأخطاء المادية والفنية ، فإنها فى حقيقتها لم يقصد بها إلا منع القاضى من التدخل في تقدير قيمة النظريات الطبية المحضة . والوقوف عند المبادئ المقررة التي لا خلاف فيها . ولم يقصد بالجسامة إلا معنى الخطأ المستخلص من وقائع ناطقة واضحة ، والذي يتنافى فى ذاته مع
53 القواعد العامة التى تمليها الحكمة وحسن التصرف ، تلك القواعد المقررة التي لا نزاع فيها . وإذا كان أصحاب هذا الرأى قد رغبوا في تحاشى تدخل القضاة في المسائل العلمية الخلافية حتى يكون قضاؤهم مبنياً على اليقين لا على الشك ، ثم فى وجوب بث الطمأنينة في نفوس الأطباء ، وترك الحرية الكافية لهم في اتباع النظريات العلمية الحديثة والانتفاع بها . فإن مؤاخذة المرء عن خطئه اليسير ليس معناها الحكم عليه بمجرد الشك دون اليقين . بل لابد من ثبوت الخطأ بصفة قاطعة ، بمخالفة مبدأ طبي من المبادئ الثابتة على التحقيق ، فالطبيب يظل بمنجى من المسئولية متى راعى هذه المبادئ ، ولا حرج عليه بعد ذلك إذا ساير نظريات حديثة ، عليها مسحة من الوجاهة ، وإن لم يقطع العلم بصحتها بعد . ومن الواجب أن نعنى بحماية الجمهور من أخطاء بعض وعدم الخفة الأطباء الذين ليس لهم من ضمائرهم ما يردعهم عن الاحتياط فى علاجهم . ولا محل للقول بتفادى الدخول في المناقشات الفنية ، التى يشق معها على القاضي أن ينتهى إلى رأى سليم فإن حاجة القضاء إلى مناقشة المسائل العلمية والفنية ليست مقصورة على الدعاوى الطبية، بل إنها تتناول كل دعوى يثار فيها بحث فى . وليس على القاضى ، إذا شق عليه الفصل
فى مثل هذه البحوث مما يستخلصه من أقوال الخصوم، إلا أن في الأمر إلى آراء الخبراء الفنيين . خصوصاً وأن التفرقة يرجع بين الأخطاء المادية والأخطاء الفنية قد تكون في كثير من الأحوال على درجة من الدقة تجعلها متعذرة وتنشأ معها صعوبات كبيرة فى التطبيق . ولذلك كان الرأى الصائب الذي يتفق مع حكم القانون وتقره المحاكم ويحقق الأغراض التي ينشدها القائلون باشتراط الخطأ الجسيم لجعل الطبيب مسئولا عن عمله الفنى ، أن يسأل الطبيب عن كل خطأ ثابت فى حقه على وجه التحقيق ، سواء أكان ذلك خطأ عادياً أم فنياً، وسواء أكان يسيراً أم جسيما .
الأخطاء الطبية في التطبيق العملى 1 – الامتناع عن العلاج تبدأ العلاقة بين المريض والطبيب في الأحوال العادية بأن يذهب المريض إلى الطبيب أو يدعوه إلى زيارته . فإذا رفض الطبيب علاج المريض وترتب على ذلك ضرر بالمريض ، فهل يسأل الطبيب جنائيا عن ذلك ؟ . . تقع دراسة هذا الموضوع تحت بحث الجرائم التي تقع بمجرد الامتناع . وقد نصت بعض القوانين على العقاب عليها . واختلف الشراح وأحكام المحاكم حيث لا يوجد نص . فيما إذا كان القتل أو الإصابة بالترك أو الامتناع معاقباً عليه . فذهب البعض إلى عدم إمكان ارتكاب الجرائم بالترك ، لأن الترك عدم ، والعدم لا ينشئ إلا عدما ، ولأن قاعدة اللاعقوبة بغير نص تحول دون العقاب عليه وذهب آخرون إلى أن الترك يصلح لأن يكون سبباً للجريمة، لأن الفعل والترك كلاهما من صور الإرادة الإنسانية العاقلة ولكنهم لم يأخذوا بالقاعدة على إطلاقها . فلم يروا العقاب على الترك إلا حيث يحصل مخالفة لواجب قانوني ، أي مخالفة لنص
في القانون أو لاتفاق خاص أو من نتيجة حالة أوجدها الممتنع نفسه . ففي مثل هذه الحالات يعاقب التارك بعقوبة الفعل العمد ، بشرط أن يثبت فى حقه القصد الجنائى . فإذا لم يثبت فإن المتهم يكون بمنجاة من العقاب ، إلا إذا أمكن أن يثبت في حقه نوع من الإهمال أو عدم الاحتياط . أما إذا لم يكن الشخص مكلفاً بالعمل بحكم القانون ، أو بحكم اتفاق خاص ، أو حالة أوجدها بنفسه ، فإنه لا يسأل عن امتناعه ولو كان راغباً فى الإضرار بالمصاب فعلا ، ومن باب أولى إذا لم توجد لديه هذه الرغبة ، وكان العمل يقتضى منه بعض التضحية أو البذل ، لأن القانون لا يطلب من الناس أن يكونوا شجعاناً أو محسنين وقد مال القضاء الفرنسي مع أصحاب الرأى الأول وتأرجحت أحكام القضاء المصرى بين اعتبار الامتناع مخالفة لواجب جريمة عمد ، أو جريمة خطأ ، أو لا عقاب عليه على الإطلاق . وقد رأى بعض الشراح ضرورة تعديل التشريع بحيث لا يعود الامتناع فعلا غير معاقب عليه إطلاقاً ، ولا مجرد جريمة خطأ ، على أن يشبه بالعمل الإيجابى إذا حدث مخالفة لواجب قانونى . ويعاقب عليه في غير هذه الحالة بعقوبة أخف من الجريمة العمد وأثقل من الجريمة الخطأ
oy وعندنا أنه فى الوضع الحالى للتشريع فإن الطبيب الذي يلتزم بعلاج المريض بحكم القانون كما في الحالة التي نصت عليها المادة 386 وهى تنص على أنه « يجازى بغرامة لا تتجاوز جنيهاً مصريا كل من امتنع أو أهمل في إبداء أعمال مصلحة أو بذل مساعدة وكان قادرا عليها عند طلب ذلك من جهة الاقتضاء في حالة حصول حادث أو هياج أو غرق أو فيضان أو حرق أو نزول مصائب عمومية ( أو بناء على اتفاق بين الطبيب ، أو نتيجة لحالة نشأت بفعل الطبيب يجب أن يعد مرتكباً الجريمة عمد إذا ثبت وجود القصد الجنائى لديه ، ولجريمة خطأ إذا لم يثبت هذا القصد ، وأمكن إثبات نوع من الإهمال أو عدم الاحتياط من جانبه . فالطبيب الذى يدعى من السلطة في حادث لعلاج الإصابات التى حلت بالمرضى من جراء هذا . الحادث ، فيمتنع عن علاج واحد من هؤلاء المرضى عمداً لأنه يرى مثلا أنه لا فائدة من حياته مشوهاً ، فيتركه ليموت ، ويموت المريض فعلا بسبب إهمال العلاج ، يعد قاتلا عمدا ، ويجب توقيع العقاب عليه على هذا الأساس . وينطبق ذلك على الطبيب الذي يجند فى أحوال الحروب والأوبئة وكذلك الطبيب الذى يعمل في المستشفيات العامة . والطبيب الذي يتفق مع المريض على العلاج ثم يمتنع عن هذا العلاج عمداً لمثل ذلك السبب
58 أو غيره ويثبت هذا القصد، أما إذا لم يثبت هذا القصد، ولم يمكن للطبيب أن يبرر امتناعه بعذر مقبول ، فإنه يعد مرتكباً الجريمة خطأ .. ولكن الطبيب يعنى من المسئولية إذا حالت ظروف قهرية بينه وبين تلبية دعوة المريض كما لو استحالت عليه زيارة المريض بسبب مرضه أو انقطاع المواصلات . كذلك إذا استطاع الطبيب أن يثبت أن حضوره لم يكن ليجدى المريض نفعاً . وأخيراً فإنه لو ثبت أن أهل المريض كانوا يستطيعون طلب طبيب آخر فى حالة عدم حضور الطبيب المتخلف ، فإن أيا من ذلك يكفى لإخلاء مسئولية الطبيب ، أخذاً بقاعدة أن للطبيب مطلق الحرية فى الحضور أو عدمه لأى سبب يراه . ويجوز أن يكون تعهد الطبيب بالعلاج ضمنيا كما لو كان المريض من عملاء الطبيب المعتادين . كما أنه يدخل في العلاج الضمنى أن تدل الظروف على أن الطبيب تحمل مسئولية العلاج. . فكما أنه ليس للطبيب الذى يعمل في إحدى مصالح الحكومة أو فى مستشفى عام أن يرفض علاج حالة تدخل في اختصاصه كذلك الطبيب الذى يعمل في مستشفى خاص ، أو يتفق مع إحدى الشركات على علاج عمالها .. وتجرى نفس القواعد فى الأحوال التى يتأخر فيها الطبيب .
عن الحضور بحيث يصبح حضوره غير ذي نفع ولكن قضى بأنه يجب الاحتياط فى تقدير مسئولية الطبيب في هذه الحالة وأن الطبيب هو صاحب الشأن فى تقدير الوقت المناسب لتلبية دعوة المريض ، مع مرعاة التزاماته قبل باقى عملائه . ولا محل لمساءلته إلا إذا كان النية أو مغرضا . ولا شك أن العبرة سي $ إنما تكون بالظروف والملابسات التي تحيط بالحالة أما في حالة عدم وجود واجب قانونى على الطبيب بعلاج المريض فالمعقول أنه لا يوجد أية مسئولية عليه إذا رفض العلاج رغم ما فى ذلك من مخالفة للضمير العام الذي ينظر باستنكار إلى الطبيب الذى يمتنع عن أداء واجبه الإنساني في هذه الحالة وقد قضى بأن من حق الطبيب أن يمتنع عن إجابة دعوة المريض . دون أن يتعرض لأى جزاء جنائى أو مدني ، حتى ولو لم يوجد طبيب آخر يمكن اللجوء إليه . لأن مهنة الطب هي مهنة حرة وللطبيب مطلق الحرية فى اختيار عملائه . بل لقد قيل إن الطبيب لا يتعرض في ذلك حتى للمسئولية التأديبية وقد صدر حكم من محكمة النقض في فرنسا بأن معاون الصحة الذي يرفض أن يقبل جريحاً يؤتى به إليه في أثناء الليل إنما يعمل فى حدود حقه . وأن المولدة تستطيع أن ترفض أن تولد امرأة
مصر سنة 1946 وقد حدث أن تلقت النيابة العمومية في شكوى ضد طبيبين لامتناعهما عن الانتقال في منتصف إحدى الليالى إلى مريض يقيم في ضيعة بعيدة ، فأحالت النيابة الشكوى إلى البوليس لتحقيقها . وبعد أن سمع أقوال الطبيبين أعاد الأوراق إلى النيابة ، فقررت حفظها إداريا لعدم وجود جريمة في الموضوع . وشكا الطبيبان إلى نقابة المهن الطبية من التحقيق معهما فى أمر لا ينطوى على عمل جنائى . فطلبت النقابة تكليف كل من تكون له شكوى من هذا النوع بتقديم شكواه إلى النقابة مباشرة ، مقررة استعدادها للنظر في شكاوى الأهلين ضد الأطباء الذين يخالفون التقاليد الشريفة للمهنة . وكتبت النيابة إلى النقابة طالبة منها العناية بفحص هذه الشكوى وأمثالها وقد ذهب بعض فقهاء القانون المدنى إلى القول بمساءلة الطبيب عن امتناعه عن العلاج في هذه الحالة . وفى ذلك يقول بعض الشراح إن الواجب الأدبى والإنسانى يوجب على الطبيب تلبية كل دعوة توجه إليه لعيادة مريض ، ولكن الطبيب لا يجبر قانوناً على ذلك إلا في أحوال الاستعجال أو عدم وجود طبيب آخر . وتقدم آخرون إلى حد القول بمسئولية الممتنع متى كان سبب امتناعه مجرد الإساءة إلى الغير ، وذلك بتطبيق نظرية التعسف فى استعمال الحقوق. وعند أصحاب هذا الرأى أن نية
61 الإساءة إلى الغير يمكن أن تستنتج من طروف الحال ، كما لو كان المريض فى خطر لا يحتمل تأجيل العلاج ، وكان الطبيب يعلم ذلك وكان من السهل عليه إسعافه وامتنع عن الإسعاف وقال آخرون أنه غير صحيح إنه لا يوجد التزام قانونى يوجب على الطبيب العلاج، فإن الالتزام موجود بمجرد قصر مهنة العلاج على الأطباء على وجه الاحتكار للمشتغلين بها وإذا قيل إن من الصعب أن يثبت وجود رابطة السببية في أحوال الخطأ السلبي فإن الضرر قد تتعدد أسبابه، ويكفى أن يكون امتناع الطبيب واحدا من الأسباب التى أدت إلى الضرر الذي أصاب المريض . وأنه كان في مقدور الطبيب أن يتوقع ذلك في السير العادي للأمور . بل إن الطبيب ليسأل في مثل حالة الطفل الذي يولد بغير فتحة للشرج ، حيث يكون ثقب الفتحة لازما لحياته ويرفض الوالد أجزاء هذا الثقب . فإن الطبيب الذي ينصاع لهذا الرفض ولا يجرى الثقب يسأل عن جريمة قتل خطأ إذا لم يعتبر الفعل قتلا عمدا وكان يجدر بالمشرع أن يضع نصا بإلزام الأطباء بالعلاج في كل حالة يقصدهم فيها مريض في حالة خطيرة . فإنه قد أخذ بقاعدة حرية المهن. ولكنه جعل بعضها تحقيقاً للمصلحة العامة وقفاً على أناس مخصوصين . فكان من العدل أن يتحمل
62 أولئك الذين يستفيدون من هذا الاحتكار التزامات معينة بإزاء بی جنسهم . وقد نص القانون على التزام المحامين بالمساعدة القضائية ، ولا يوجد أى سبب معقول لعدم الزاء الأطباء بمثل ذلك على الأخص وأن عملهم لا يتناول حقوق الناس ، بل صحتهم وحياتهم أيضا . وقد أخذت بذلك كثير من الدول . ونصت المادة 200 من قانون العقوبات البروسى على عقاب الطبيب الذي يرفض علاج المريض فى حالة مستعجلة لغير سبب كاف بغرامة من 20 إلى 200 جنيه . وتتجه الاشتراكية الآن في معظم البلاد إلى تأميم العلاج ، كما هو حاصل في إنجلترا ، بحيث يكون الطب وظيفة اجتماعية ، وبحيث لا يستطيع الطبيب أن يرفض علاج المريض إذا دعاه . وهو قريب من فكرة التشريع الإسلامي حيث يعد الطب واجباً اجتماعياً وقد جاء مشروع قانون العقوبات الموحد بنص جديد فقرر أن الامتناع عن الفعل يساوى الفعل العمد إذا توافر فيه القصد الجنائي
63 – أخطاء التشخيص تبدأ جهود الطبيب فى علاج المريض بتشخيص المرض . وهذه المرحلة من مراحل العلاقة بين الطبيب والمريض أهم وأدق هذه المراحل جميعا . ففيها يحاول الطبيب تعرف ماهية المرض ، ودرجته من الخطورة ، وتاريخه وتطوره مع جميع ما يؤثر فيه من ظروف المريض من حيث حالته الصحية العامة وسوابقه المرضية وأثر الوراثة فيه. ثم يقرر بناء على ما يتجمع لديه من كل ذلك نوع المرض الذى يشكوه المريض ودرجة تقدمه ويحتاج الأمر من الطبيب على الأخص إذا كان يزور المريض للمرة ، ولم تكن سبقت له به معرفة ، أن يعني بفحصه وأن يتجنب التسرع أو الإهمال في الفحص ، وأن يحاول أن يطبق معارفه وقواعد فنه تطبيقاً صحيحا ، حتى يتفادى كل خطأ في التشخيص. ويجب عليه أن يحيط عمله بجميع الضمانات التي يضعها العلم والفن تحت تصرفه ، لإبداء رأى أقرب ما يكون إلى الصواب ، وأبعد ما يكون عن الخطأ . فيجب عليه أن يستعين بآراء الأخصائيين في كل حالة يدق عليه فيها التشخيص كما يجب أن يستعين بجميع الطرق العلمية للفحص كالتحاليل
64 بأنواعها 6 والفحص البكتريولوجي ، والتصوير بالأشعة 6 كلما كان ذلك لازماً للتثبت من الحالة وصحة التقدير ، وكان في متناول يده. فإذا أهمل ذلك وتسرع في تكوين رأيه فإنه يكون مسئولا عن جميع الأضرار التي تترتب على خطئه في التشخيص . وعرضت على القضاء فى فرنسا سنة 1921 قضية توضح مسئولية الطبيب من حيث التزود بالمعلومات والاستعانة بالطرائق العلمية للفحص . وهى أن سيدة ذهبت إلى طبيب وشكت إليه آلاما في بطنها ، فشخص الحالة على أنها ورم في الرحم يحتاج إلى استئصال سريع. ولكن عندما فتح الطبيب البطن ظهر له أن السيدة ليس عندها ورم ، بل إنها حامل يجنين أوشك أن يتم مدة حمله، فأجرى لها العملية القيصرية وأخرج الجنين حيا ، ولكن السيدة أصيبت فى ليل اليوم نفسه بنزيف دموى مصحوب بمضاعفات وتوفيت . وقدم الطبيب للمحاكمة بتهمة القتل الخطأ ، وقرر الخبراء أن الحمل من الحالات الدقيقة التي كثيراً ما يحصل الخطأ فيها فى أول أدواره . وقد يتجه الظن عند ذلك إلى اعتباره ورما عاديا . وقد يعذر الطيبب إذا التبس عليه الأمر حينئذ . أما إذا تقدم الحمل كما في الحالة التي عرضت في تلك الدعوى فإنه لا مجال لأى لبس من هذا القبيل . ولو أن.
السيدة المريضة كان لها ضلع في خطأ الطبيب . فإنها كانت غير متزوجة ، وقد غررت به وأعطته معلومات غير صحيحة كان من شأنها أن تحيد به عن الرأى الصائب ، وترجح لديه أن الحالة ليست إلا ورما ليفيا . ولكن إذا أمكن أن نغتفر للطبيب خطأ هذه الظروف ، فإنه لا محل للتسامح معه فيما تلا ذلك . فإنه وقد فتح البطن وصار الرحم تحت نظره ، وأصبح بإزاء حالة محققة لا تحتمل شكا ولا لبسا ، فقد كان يجب عليه أن يعود أدراجه ويخيط الجرح . ولكنه بدلا من ذلك أمعن السير فى الطريق الخاطئ وأجرى العملية القيصرية على التشخيص مع شدة خطورتها من غير داع ولا ضرورة . ورأت المحكمة أنه ولو أن الخطأ في تشخيص المرض ، ولو أدى إلى إجراء عملية جراحية أودت بحياة المريضة ، لا يجعل وحده وبذاته الطبيب أو الجراح مسئولا عن هذا الخطأ . وذلك الصعوبة التشخيص وعدم إمكان الوصول إلى الحقيقة بطريقة جازمة . إلا أن ذلك لا يبيح للطبيب أن يشخص داء المريض برعونة وطيش بإغفاله التحرى عن المعلومات الضرورية التي تنير له السبيل كسؤال طبيب العائلة ، ثم بإجراء فحص بالأشعة يعرف به قطعاً وجود الجنين متى أتم الخامسة من أشهره الرحمية فإذا أخطأ الطبيب فى التشخيص بسبب هذا الإغفال ، ومات
66 المريض ، حقت على الطبيب العقوبة المنصوص عليها في المادة 319 من قانون العقوبات الفرنسي ويجب أن يؤخذ فى الاعتبار أن فن الطب على الأخص في ناحية التشخيص منه هو فن تخميني . فالأعراض فيه تختلط وتتشابه فى عدد كبير من الأمراض . والطبيب يعتمد في التشخيص على مقدرته الطبيعية وقوته الخاصة في الملاحظة وفى الاستنتاج . والخطأ الذى يبدر منه في هذه الحالة قد لا يكون عدم نتيجة للجهل بقدر ما يكون بسبب ضعف الملاحظة أو توافر النظرة الصائبة ، وهى مواهب تمنحها الطبيعة للطبيب وغير الطبيب بدرجات متفاوتة ، ولا يصح أن يؤاخذ الإنسان على النقص فيما وهبته الطبيعة من ذلك . فلا حرج على الطبيب إذا أخطأ التقدير . وقد كان الدكتور برو وارديل يقول لتلاميذه في دروس الطب الشرعى كثيراً ما وقعت في غلط . ولكن ليس لأحد أن يوجه إلينا أى لوم ما دمنا قد توخينا الدقة في البحث ، ففحصنا الأعراض والسوابق قبل إجراء التشخيص فإذا ظهر فساده مع ما اتخذناه من الاحتياط لعدم الوقوع في أن أكبر الغلط ، فليس لأحد أن يحاسبنا . ويجب ألا ننسى ها العلماء لم يسلموا من الغلط . وكان الدكتور درى باشا جراح مصر الكبير ينصح طلبته عند إجراء عملية جراحية لمريض
شخصت حالته بأنها حالة حصوة فى الكلى ، بأن يأخذ الواحد منهم معه حصاة وهو ذاهب لإجراء العملية ، ليظهرها للمريض وذويه إذا شق عن الحصاة فلم يجدها مواراة لغلطه في التشخيص. وقد قرر الدكتور برجمان أنه أخطأ في تشخيص 70 % من الحالات التي عالجها ، ولم يكشف خطأه إلا بعد وفاة مرضاه على أثر علاجه وتشريحه لحثهم . وكما عبرت محكمة ليون في حكمها فى سنة 1898 فإن أمهر الأطباء يمكن أن يقعوا في الخطأ بسبب تشابه أعراض الأمراض ، وأن كبار الجراحين عرضة لأن يرتكبوا قصوراً أو عجزاً نجد تفسيرهما في الضعف البشرى على وجه العموم. ومن هنا كانت القاعدة التي تقررت من أول عهد القضاء بالقضايا الطبية من أن الخطأ في التشخيص لاعقاب عليه طالما أن الطبيب قد أدى واجبه على قدر اجتهاده . على أنه يجب أن يضاف بطبيعة الحال استثناء هام إلى تلك القاعدة ، ذلك أنه ليس كل خطأ في التشخيص بالذي يغفر للطبيب أو الجراح. بل إن الطبيب يسأل كلما أخطأ في تشخيص المرض خطأ يدل على جهل واضح بالفن الطبي ويجب فيجب وضع حد فاصل بين الرأى وبين الجهل التشديد بصفة خاصة مع الأخصائيين الذين لا يصح أن يغتفر لهم ما يمكن أن يغتفر لسواهم من الأطباء العموميين الذين يعالجون
كل الأمراض . وقد قضى بأنه يعد مخطئاً خطأ جسيما . الطبيب المتخصص في الأشعة الذى لم يحسن قراءة صورة بالأشعة ، فلا يشخص حالة كسر فى رأس عظم الفخذ ، فيترتب على ذلك إيذاء بالمريض . على الأخص حيث يمكن تعرف دلالة الصورة من مجرد الفحص البسيط ولكن الأخصائى لا يسأل هذه المسئولية الثقيلة إلا بصدد الأمراض التي تدخل في اختصاصه
69 3 – أخطاء العلاج إن الطبيب حر فى اختيار طريقة العلاج التي يراها . فهو لا يتعرض لأية مسئولية إذا اختار طريقة دون طريقة ، أو إذا رأى أن الطريقة التى اختارها أكثر موافقة لطبيعة المرض ولمزاج المريض . وقد ذكر تورد أن الطبيب لا يلتزم باتباع آراء الغالبية من أساتذة الطب. وأن له أن يطبق علاجاً شخصياً خاصاً. به ، بشرط أن يكون هذا العلاج مبنيا على أسس علمية صحيحة لأن الحالات المرضية لا تتطابق تمام المطابقة ، ويجب أن يترك للطبيب جانب من الحرية فى التصرف بحسب مهارته الشخصية 6 وتجاربه . وقد عرضت فى مصر قضية فتاة أصيبت بالقراع نسب فيها إلى الطبيب أنه أخطأ بعلاجها بالتاليوم ، وهو عقار من خطير قد تترتب عليه بالنسبة للمريض نتائج خطيرة ، بدلا الأشعة أقل خطرا . ولكن المحكمة قررت أن اختيار طريقة العلاج هو من شأن الطبيب وحده ولا مسئولية عليه في ذلك ، طالما أن الطريق الذى يختاره هو من الطرق المسلم بها علميا عنه ولكن يجب على الطبيب أن لا يعرض مريضه الخطر لا تدعو إليه حالته ، أو يتناسب الفائدة التي يمكن أن تنجم وليس يخليه من المسئولية عن ذلك أن يطلب المريض منه أن مع
يعطيه علاجاً يعرضه لمثل هذا الخطر ، ما دام أنه لا مصلحة للمريض فيه بالمعنى الذي ذكرناه . فمن واجب الطبيب أن يوازن بين أخطار المرض ، وبين أخطار العلاج . فإذا كان المرض بحيث لا يهدد سلامة المريض ، فإنه لا يكون هناك محل لتعريض المريض لعلاج من شأنه أن يؤذيه أو يرديه ، وعلى العكس من ذلك إذا كانت حالة المريض ميئوسا منها . فإن للطبيب أن يلجأ في سبيل إنقاذه إلى أية وسيلة مهما كان خطرها . بشرط أن يثبت بطبيعة الحال أن حالة المريض ميئوس منها فعلا ، وأنه لا توجد وسيلة أخرى للعلاج خلاف هذه الوسيلة وذلك استنادا إلى حالة الضرورة الطريقة ويجب على الطبيب أن يستعين بزملائه إذا وجد نفسه بإزاء حالة فوق مستوى علمه وكفايته. ولكن للطبيب أن يرفض الاشتراك في استشارة مع زملائه بشأن العلاج . غير أنه إذا اشترك في هذه الاستشارة فإنه يجب عليه أن يتبع العلاجية التى استقر عليها الرأى فيها . وهو يعرض نفسه للمسئولية إذا غير العلاج المباشرة بعد الاستشارة بدون أن يخطر أسرة المريض. كما أنه يعتبر مخطئا إذا لم يطبق العلاج الذي أشار به الأخصائى الذي استدعاه هو نفسه بسبب حيرته في حال المريض ، ويجب عليه إذا رأى مخالفة هذا العلاج أن يخطر
71 أهل المريض أو ينسحب . أما إذا رأى أن يطبق رأى الأخصائي فإنه يكون مسئولا عن هذا التطبيق ، فلا يقبل منه إذا ظهر خطأ العلاج أن يدفع بأنه لم يكن موافقا عليه وأنه إنما باشره نزولا على رأى الأخصائى . ولا يلتزم بأن يتبع في علاجه نقطة نقطة ما يقرره له مريضه من ملاحظات . وهو لا يسأل عن الآلام التي يمكن ان تترتب على العلاج أو العملية طالما أن العلاج أو العملية قد روعيت فيها مقتضيات الفن الطبى . كما أنه لا يسأل عن المضاعفات التى يمكن أن تترتب على المرض، طالما أنه قد اتخذ جميع الاحتياطات اللازمة. ولكنه يسأل عن كل إهمال أو جهل بأصول الفن وعليه أن يحدد للمريض النظام الذي يجب عليه أن يتبعه فى مرضه من حيث الطعام والشراب وما إلى ذلك ، وما يجب عليه أن يتخذه من الاحتياطات . وإذا وجد أن حالته لا تسمح بمعالجته فى المنزل فإنه يجب عليه أن ينصحه بالعلاج في المستشفى وقد تواترت الأحكام منذ القدم على أن الطبيب يعد مسئولا جنائيا إذا ارتكب خطأ ضاراً في تحرير وصفة الدواء سواء أكانت الغلطة راجعة إلى نقص لا يغتفر في معارفه العلمية . او إلى إهمال من جانبه . وسواء كان الدواء ساماً بطبيعته أو لم يكن ساما ، ولكنه أدى إلى التسمم بوصف جرعة أكبر من
72 اللازم أو بإعطائه على مدد متقاربة وإذا كان لا يصح أن يحجم ا أن يحجم الطبيب عن أن يصف المريضه دواء خطرًا طالما أن الحالة تقتضيه فإنه يجب عليه لتقدير لزوم هذا الدواء أن لا يكتفى فقط بأن ينظر في حالة المرض المشكو منه بل أيضا فى التأثير الذى يمكن أن يكون لهذا الدواء على المريض . فيجب أن يتأكد من أن المريض يستطيع أن يتحمله كما يجب عليه أن ينبه المريض إلى ما يمكن أن يترتب عليه من أخطار . ثم يجب عليه أن يراقب بعناية طول تعاطيه تأثيره عليه .. ولكن الطبيب لا يسأل إذا لم يكن في إمكانه أن يكشف عما يمكن أن يكون بالمريض من حساسية تحول بينه وبين استعمال الدواء 4 – أخطاء الأشعة تعتبر الأشعة من الوسائل الطبية المستحدثة للكشف عن الأمراض وعلاجها . وهى ذات نفع كبير في الأمراض الباطنية وفى الجراحة على السواء . ولكن بالنظر لما تنطوى عليه من خطر ، فإنه يجب استخدامها بمنتهى الحيطة والحذر ، وذلك باستعمال الآلات الصالحة ، وملاحظة الدقة في تطبيق القدر اللازم من الجرعة – إذا صح هذا التعبير – بحيث لا تكون أقل أو أكثر مما يجب. كما أنه يجب عدم اللجوء إليها إلا حيث
73 وجوب تكون حالة المريض بحيث تقتضى تعريضه لمثل هذا الخطر، وكما هو الحال في الأدوية السامة فإنه يجب على الطبيب أن قرايب تأثير الأشعة على الجسم المريض بمنتهى اليقظة بحيث إذا ظهر له أي أثر حرق أو أعراض غير عادية ، أوقف العلاج أو على الأقل باعد بين جلساته وخفض من قدر الجرعة المسلطة على المريض . بل لقد ذهب البعض إلى حد استعانة الطبيب بأحد زملائه فى مباشرة العلاج تلافيا للأضرار وقد طبقت المحاكم الفرنسية على الأشعة منذ ظهورها نفس القواعد العامة التى تخضع لها المسئولية الطبية . فقضت محكمة باريز في سنة 1899 بمسئولية الطبيب الذي يعرض المريض للأشعة أكثر أو أطول مما ينبغى بحيث يترتب على ذلك أضرار به . وقضت فى سنة 1901 بأن المعالج الذي يستخدم آلة في حالة غير صالحة للاستعمال ، ويعرض مريضه بذلك للضرر يرتكب خطأ يؤدى إلى مسئوليته . وقضت محكمة إكس بمسئولية طبيب وقعت منه عدة أخطاء فنية منها استعمال أنبوبة رخوة ولوح منحرف ترتبت عليهما مضاعفة مقدار التعرض للأشعة إلى ما جاوز الحد ، وزاد من خطر الحروق التي أصيب بها المصاب . وقضت محكمة بوردو فى سنة 1933 بمسئولية الطبيب الذي لا يراعى حالة الحساسية الخاصة لغلام في الثامنة عشرة من عمره فيتسبب بذلك فى إصابته بحروق خطيرة
74 و يجرى القضاء المصرى على مثل هذه القواعد في أحكامه . من ذلك أن المحكمة المختلطة فى سنة 1932 قضت بأن الطبيب لا يسأل عن فقد شعر المريضة بسبب معالجتها بأشعة إكس ، على اعتبار أن الطبيب لا يسأل عن الضرر الناجم عن العلاج إذا كان راجعاً إلى حساسية خاصة لدى المريض ، طالما أنه لم يمكن الطبيب أن يتنبأ بها . وقضت محكمة مصر في حكمها في سنة 1936 بمسئولية طبيب عن علاج بالأشعة ترتب عليه لدى المريض إصابته بقرحة فى عنقه ، ثبت لدى المحكمة أنها نجمت من أخطاء ارتكبها الطبيب من ذلك أنه عهد إلى ممرض بمزاولة بعض الجلسات على المريض ، مع وجود خطأ في الجهاز من حيث وضع المرشح ، وتقريب المسافة بين الأنبوبة والجلد ووجود قرحة عند البدء في العلاج بالأشعة تقتضى تأجيله ، ثم مجاوزة عدد الجلسات ه _ أخطاء التخدير يعتبر التخدير من أجل الانتصارات العلمية في ميدان الطب . وقد بدأت مزاولته فى سنة 1846 ، وانتشر استعماله من ذلك التاريخ ، وتعددت المكتشفات فيه ، واطردت وسائل التحسين فيها. وقد عاون في الجراحة على كشف الأجزاء المؤلة في الجسم البشرى وعلى علاجها بعناية أكثر ، وعلى تسهيل فقط
75 علاج الكسور وإجراء العمليات التى تحتاج إلى سكون تام من المريض . كما عاون في التوليد على تخفيف آلامه والمحافظة على قوى الأم وإراحة عضلات واعضاء الحمل. وإن كانت الوفاة تحدث فيه أحيانا برغم ما وصل إليه التقدم العلمي في هذه الناحية ، الأسباب لم يصل العلم إلى معرفتها بعد . ومن هنا كانت الدقة في أحوال التخدير . وإن كانت نسبة الوفاة من الكلوروفورم في سنة 1891 بواحد فى كل عشرة آلاف . وهى نسبة لا تبرر استبعاده، خصوصاً أن الصدمة العصبية التي تترتب على الألم يمكن أن تؤدى هي نفسها إلى الوفاة . ومن القواعد المقررة أنه يجب فى التخدير ، كما في غيره من وسائل العلاج ، أن لا يعرض الطبيب المريض إلى خطر لا يتناسب مع درجة الإصابة التى يشكو منها . وقد جرت مناقشة في أكاديمية الطب في فرنسا حول ما إذا كان من الممكن إجراء قد قدرت التخدير على المرضى المصابين بزيادة في الحساسية قد ترجع إلى علة في القلب . وأجاب الأستاذان بازی Bazz وفاكيز Vaquez على ذلك بالإيجاب . ولكن لما كان قد اتضح أن حوادث الوفاة من الاستنشاقات الأولى من الكلوروفورم ترجع إلى تأثير عصبي وأن حالة الحساسية في القلب تهيء لهذه الحالة، فإن الواحب يقضى بعدم إجراء التخدير لهذا النوع من المرضى إلا بعد أن تهيأ الثقة اللازمة لمواجهة مبضع الجراح
۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔
76 ويمكن أن يستخلص من مجموع الأحكام القضائية التي صدرت بصدد المخدر أن استعماله لا خطأ فيه إذا اتخذت في ذلك الاحتياطات التي يمليها العلم . حيث أنه يمكن أن تنجم عن التخدير وفاة خارجة عن تقدير العلم ولا يمكن التنبؤ بها . فلا يعد الطبيب مسئولا عن الأضرار التي تنجم عن التخدير طالما أنه قد تحقق من حالة الدورة الدموية عند المريض، وطالما أن مراعاة الاحتياطات إعطاء المخدر قد تم في الظروف العادية ، مع التي تقضى بها حالة المريض بعد فحصه وقد قرر القضاء الفرنسي هذا المبدأ في أول قضية عرضت عليه من هذا النوع فى سنة 1853 . وكان الطبيب المتهم في القضية قد خدر المريض لأجل إجراء عملية جراحية لإزالة زائدة في وجنته فمات. فرفعت عليه الدعوى أمام محكمة جنح السين على اعتبار أنه تسبب في قتل المريض بخطئه في تعريضه إياه لخطر لا يتلاءم مع الإصابة التي كان يعانيها المريض . وقرر الخبراء أن الطبيب استخدم جميع الاحتياطات الممكنة التي تقضى بها المهنة . وأن وفاة المصاب كانت حالة عرضية لا يمكن التنبؤ بها . ومع ثار ذلك فقد حكمت محكمة الجنح بإدانة الطبيب الأطباء لهذا الحكم بحق ، لأنه كان خليقا بأن يعوق تقدم الجراحة . واستأنف الطبيب الحكم . واستدعى الدكتور فيلبو لمناقشته أمام محكمة الاستئناف ، فخاطب المستشارين قائلا :
VV إنكم تحملون بين أيديكم مستقبل الجراحة . فإذا حكمتم على الجراح الذي استخدم الكلوروفورم ، فإن أحدا منا لن يجرؤ بعد الآن على استعماله ، والأمر متروك لكم – أن تعملوا على إزالة الآلام الإنسانية ، أو تعلموا على إعادتها ، وعندما أراد الدفاع عن الطبيب أن يتكلم ، أوقفه رئيس المحكمة قائلا أن المحكمة قد استنارت بما فيه الكفاية . وقضت ببراءة المتهم : ولكن يجب على الطبيب أن يفحص المريض قبل التخدير اتخاذ للتأكد من حالة قلبه وإمكان احتماله التخدير مع الاحتياطات الضرورية التى يقتضيها الفن الطبى . وقد وضح ذلك حكم المحكمة أنجيه فى سنة 1926 نص على أن الطبيب الذي يكلف بعمل عملية جراحية لشخص ما برضاء أهله . وفى أثناء مباشرة العملية يخطر بباله أن يخدر المريض بالكلوروفورم تخديرا لأعصابه الهائجة ، فيترتب على هذا التخدير وفاة المريض فجأة يكون مسئولا ، ولو ادعى أن الوفاة قد حدثت لأسباب ما كان فى قدرة أحد أن يتنبأ باحتمال وقوعها . وقد عابت المحكمة على الطبيب أنه أمر بتخدير المريض فجأة وهو تحت العملية ، وكان يجب عليه أن يفحصه قبل ذلك ، خصوصا وأن عملية التخدير كان يجب أن يسبقها عادة تفريع معدة المريض من كل طعام ، ثم وجوب استعانة الطبيب بمساعد يعاونه على إجراء عملية التخدير . وأنه لم تكن هناك
VA ضرورة للعجلة ، وكان من الممكن تأجيل العملية بغير ضرر حتى يتخذ الاحتياطات الطبية الكافية ، ويترك لأهل المريض الوقت الكافي للتروى والاستشارة . ويجب مراقبة حالة المريض وقلبه وفى أثناء التخدير حتى لا يعطى من المخدر كمية أكثر مما يستطيع احتماله . ومن المبادئ المقررة لذلك أنه يجب على الجراح أن يستعين على التخدير بطبيب أو على الأقل بمساعد عارف به متمرن عليه المراقبة حالة . المريض فى أثناء وقوعه تحت التخدير وتقديم ما يلزم له من إسعافات. ولما كان الجراح مسئولا في أثناء العملية عن أي خطأ يحدث منه فما يتعلق بمساعديه والممرضين الذين يشتغلون تحت إشرافه ، فإنه يكون مسئولا عن النتيجة إذا كان من تولى عملية التخدير غير طبيب ، لأن اختيار نوع المخدر وطريقة إعطائه هو من عمل الجراح بصفة خاصة بعد فحص دقيق لحالة المريض . فإذا أعطى المخدر طبيب فإن المسئولية تقع عليه وحده .. وقد قضت محكمة فوا فى سنة 1938 أن من الأخطاء التي يسأل عنها الطبيب أن يحاول إجراء التخدير بغير معونة من شخص قادر على تعرف تأثيره على المريض . وفى هذه القضية كان الطبيب يجرى عملية إزالة ورم ليفى من الرحم بمعونة أبيه وحده ، تاركا لهذا الأب تخدير المريضة بالأثير ، وهو لا معرفة له بذلك . وأصيبت المريضة بهبوط . وحاول الأب عبثاً أن
L 79 يعالج الحالة بحقن الكافور والأدرينالين بدون جدوى . فاضطر الطبيب إلى أن يترك العملية لينظر في ذلك بنفسه . وطالت ذلك وارتخى الرباط الذي كان قد ربط به العملية بسبب شريان الرحم وحدث نزيف دموى انتهى إلى الوفاة . ولا تنقضى مسئولية الطبيب أو الجراح بانتهاء العمل الجراحي ، بل يجب أن يوالى المريض بالملاحظة والعناية حتى يفيق من تأثير المخدر. وقد اطردت إحكام القضاء على أنه يجب على الجراحين والأطباء أن يعنوا بمراقبة المريض طالما أنه لم يستيقظ من النوم الناجم عن المخدر ، لأنه يظل بسبب حالة وعدم قدرته لذلك على الحركة ، تحت رقابتهم المطلقة وتحت مسئوليتهم . بل لقد قضى بأنه يجب على الطبيب أن يستمر على عنايته بالمريض حتى بعد إفاقته من المخدر ، إذا كان على درجة من الضعف تقتضى الاستمرار في العناية به 6 – أخطاء الجراحة عدم وعيه لا شك فى أن الجراحة مهنة نافعة أدت للإنسانية خيرا كثيرا ، ولكنها تنطوي على كثير من الخطر . ولذلك احتاجت العلاجات الجراحية إلى مزيد من العناية أكثر مما تتطلبه العلاجات الطبية الأخرى. فلا يحق للجراح أن يجرى عملية إلا بعد التفكير العميق ، وبشرط أن تكون الآلام التي يشكوها المريض غير
محتملة حقاً ، وأن تكون العملية – على الأخص إذا كانت من العمليات الدقيقة الخطرة – لازمة لإنقاذ حياة المريض . لأنه إذا كان إنقاذ الإنسانية من آلامها شيئاً جليلا ونبيلا ، فإنه يصح في سبيل ذلك أن تعرض الحياة الإنسانية نفسها إلى أخطار بالغة . وبالنظر لطبيعة الجراحة فإن المحاكم تتشدد مع الجراحين أكثر مما تتشدد عادة مع الأطباء لا ويجب على الجراح أن يقوم بفحص مريضه بدقة وعناية قبل إجراء العملية الجراحية . وهو يسأل عن كل ضرر يمكن أن يترتب على إهمال هذا الفحص . ولكن الجراح لا يسأل إذا وجدت حالة شاذة لم يكن يمكن له أن يعرفها أو يتوقعها . ولكن قضى بأن الجراح يلتزم بأن يستشير الطبيب المعالج قبل إجراء عملية للمريض حتى يستنير برأيه فى احتماله للعملية ، وعلى الأخص حيث تكون العملية خطيرة . ولكن لا يخلى الجراح من المسئولية أن يكون الطبيب هو الذي أشار عليه بإجراء العملية ، فلا يقبل منه الاحتجاج بأنه إنما نفذ رأى الطبيب المعالج ، لأن ذلك لا يتفق مع استقلال الجراح وحريته فى مزاولة المهنة ، وواجبه في فحص المريض قبل أن يجرى عليه الجراحة ليرى ما إذا كانت تقتضيها حالته. ولكن طبقا لما قررناه فى القواعد العامة ، فإن الجراح يسأل عن تجاهل القواعد الرئيسية للمهنة كأن يهمل في تنظيف
81 الجرح وغسله وسبر غوره ، أو يترك فيه بقايا من القماش أو قطعة من الكاوتشوك ، إذا كان من شأن بقاء هذه الأجسام الغريبة أن تؤدى إلى إصابة المريض بتسمم ينتهى بوفاة لم يكن يمكن أن تترتب على ذات الجرح لبعده عن الأعضاء الهامة . ويسأل الجراح كذلك إذا ترك شيئا في جوف المريض . وقد قضت محكمة بو فى سنة 1897 بالحبس شهرين وغرامة 500 فرنك على طبيب لأنه أجرى عملية ورم ليفي في الرحم لمريضة ترتب عليها حدوث نزيف انتهى بوفاتها ، واتضح عند أنه نسي في رحمها جفتا . وعرضت على محكمة السين التشريح في سنة 1905 قضية طبيب ترك مجسين واحداً في أمعاء مريض والثانى فى مثانة آخر . وقد بلغ بالحادث ممرض كان قد فصله خطأ من عمله . وقدم الطبيب متهما بواقعة إحداث جروح وقرر الدكتور برو وارديل أن المريض الأول توفى نتيجة التهاب رئوى ، والثانى بالسرطان ، وبذلك لم تثبت علاقة السببية والنتيجة بين حادث ترك المجس والوفاة فى كل من الحالتين . واكتفت المحكمة بأن توجه اللوم إلى الطبيب لأن لم يحط أهل المريضين بما حدث . وحكمت عليه لذلك وحده بغرامة 50 فرنكا وقضى في سنة 1931 بمسئولية جراح ترك في جوف طفل في أثناء عملية جراحية ضمادة خرجت من الشرج بعد حمى وآلام
82 لا تطاق . وقد تبين أن عدد الضمادات التي استعملت في العملية لم يتجاوز الثلاث ، فهى ليست مما يجوز الخطأ في عده . وأن الطبيب لم يتخذ أقل احتياط لتفادى حصول نسيانها في جوف المريض ، كأن يربطها بخيوط كما يفعل الجراحون عادة . ولم يثبت إن ترك الضمادة فى جوف المريض ، قد دعت إليه ظروف قاهرة ، كأن يحتاج إلى بحث طويل يعرض المريض للموت . ثم أن الطبيب أخفى عن الوالدين حقيقة ما حدث ، فلما ارتفعت درجة حررحة الطفل بسبب الضمادة التي تركها في جوفه ، أوهمهم أن حالته تحتاج إلى عملية جراحية أخرى ، وأجرى العملية ، لا لأن حالة الغلام تقتضيها ، بل لمجرد البحث عن الضمادة . . ومع ذلك فإنه لم يجدها حتى خرجت من نفسها من طريق الشرج . وكانت هى السبب فيما أصاب الغلام من ضرر حيث انخفضت درجة حرارته حال خروجها وزالت آلامه ولكن الجراح يخلى من المسئولية في العمليات التي تكون على درجة الخطورة بحيث يجب إجراؤها بمنتهى السرعة ، وحيث تكون لكل دقيقة قيمتها . فمتى كانت هذه هي الحال فإن نسيان قطعة من القطن أو الشاش فى جسم المريض لا يعتبر خطأ ، بل مجرد حادث جراحى لا يسأل عنه الجراح . ولكن يجب لإخلاء مسئوليته أن يقوم الدليل على أن ترك هذه الضمادة كان
83 نتيجة ضرورة علاجية أو قوة قاهرة . ويسأل الطبيب إذا أهمل العناية بالمريض بعد العملية الجراحية . وقد قضت محكمة كان فى سنة 1844 على معاون صحة لأنه أقدم على علاج مريض بكسر في الساعد وهو في حالة سكر فأخطأ إصلاح الكسر ثم ترك المريض على أثر ذلك . وقد قضت محكمة استئناف باريز فى سنة 1932 بمسئولية الطبيب الذي يترك مريضه بعد العملية الجراحية دون أن يراقب درجة حرارة حافظات الماء الساخن التى تضعها له الممرضة فتصيبه لذلك بحروق وفى حكم المحكمة جنح الجيزة فى سنة 1935 في عملية استخراج حصوة بالمثانة قررت المحكمة أن الطبيب المتهم قد ارتكب خطأ واهمالا كان لهما الأثر المباشر في الالتهاب البريتونى الذى نشأت عنه الوفاة . لأنه لم يصنع در نغة داخلية ، ولا وضع قسطرة لتحل محل الدرنغة المذكورة وليراقب بها البول . ولم يبق المريضة فى عيادته وتحت ملاحظته المستمرة أو يتردد عليها يوميا لمراقبة تطورات البول ، وقد تبين من أقوال الخبراء أنه لا يسمح فى حالة كهذه بانتقال المريضة قبل سبعة أيام . ولا يخليه من هذه المسئولية أن المريضة فقيرة . لأن الطبيب كان يجب عليه أن يبحث هذه الوجهة قبل إجراء العملية لا بعدها. فإما أن يقبل تحت مسئوليته ، ويؤدى واجبه كاملا فيها بما يعرض
84 عليه ، وإما أن يرفض ذلك فيتحمل أهل المريض المسئولية ، ويرسلونه إلى مستشفى ، أو يتركونه يموت ميته لا مسئولية عليه فيها . كما أن الطبيب المتهم لم يتوجه للمريضة إلا بعد نقلها بيومين وبناء على طلب أهلها ، فوجد ارتفاعا في حرارتها كان سبيه بلا شك عدم مراقبة البول منذ عمل العملية ، وعدم إجراء الدرنغة الداخلية . وقد كان يجب عليه ، وقد زار المريضة ، ورأى الحرارة مرتفعة ، أن يشق ثانية عن المثانة ويدرنغها ، وهو إجراء أجمع الأطباء على ضرورته ، وقالوا إنه كان مفيداً للمريضة . ولكنه بدلا من ذلك اكتفى بالدرنغة الخارجية مع عدم صلاحيتها كوسيلة لتصريف البول في حالة المجنى عليها وحتى هذه الدرنغة فإنه أجراها بطريقة غير أصولية بإجماع الأطباء . ثم أهمل إجراء التغيير عليها مع اعترافه بلزوم تغييرها كل 24 ساعة ، مما جعلها مشبعة بالسائل ولا فائدة منها ، ومما ساعد على امتداد الالتهاب الذى ظهرت آثاره يوم زيارته لها بارتفاع فى الحرارة. فضلا عن أنه وصل إلى البريتون أثناء خياطة الجرح بغرزة . وقد أدت هذه الأسباب مجتمعة إلى وفاة المريضة ..
85 – أخطاء التوليد يعتبر التوليد من فروع الطب التي أدت إلى عدد جم من القضايا الطبية. وقد علل ذلك بمفاجأة المصاب ، وخداع 6 الناس ، والمناظر المؤلمة لحالات الولادة ، وطبيعة عملياتها ذاتها وتصرف المولد الذي لا يستطيع الإنسان أن ينفذ إلى أسبابه والتي تبدو وحشية . كل هذه العوامل تتضافر على التأثير في الجمهور ، وحتى إلى تضليله ، وإلى استرعاء نظر العدالة . ومن المقرر أن مسئولية المولد تبدأ من ساعة حدوث الحمل ، حيث يصح أن يسأل عن كل علاج غير مناسب للحالة . وعن إدخال المجس الرحمى بما يمكن أن يؤدى إلى الإجهاض . وفى الأحوال التى يحدث فيها الإجهاض نتيجة دواء يعطيه الطبيب العلاج مرض لا علاقة له بالحمل ، فإنه يجب على المحكمة أن تبحث فيا إذا كان الطبيب قد أطاع داعي ضرورة علاجية ، أو أنه أعطى الدواء برعونة وغير احتياط في استخدام دواء يعرف هو نفسه خطره على المرأة في حالة الحمل .. وقد لا يمكن أن ترفع على الطبيب الدعوى لأنه أهمل في إجراء عملية كانت ضرورية لصعوبة إثبات هذه الضرورة ، ولكن الدعوى يمكن أن ترفع عليه في أحوال الإصابات التي
تنجم عن جهله ، كما في أحوال تمزق الرحم وخرقه بواسطة جفت الولادة ، أو ثاقب الرأس ، أو انتزاع الأمعاء ، أو بتر بعض أعضاء الطفل كالأذرع لغير ضرورة ، أو كسر جمجمة الطفل ، أو إصابته فى عينه ، أو فى عصب الوجه بالجفت أو إجراء العملية القيصرية بدون حاجة تدعو إلى ذلك ، أو على طريقة مخالفة للأصول ، أو سوء ربط الحبل السرى ، أو ثقب رأس الجنين بغير داع ، أو إهمال العلاجات اللازمة للأم أو للطفل الحديث الولادة . كل ذلك وأشباهه يمكن أن يؤدى إلى مساءلة الطبيب إذا أمكن إثبات حصول الخطأ … وقد أوضح ذلك حكم تفصيلي لدائرة الجنح المستأنفة بمحكمة مصر في سنة 1927 فى قضية طبيب نسب إليه أنه لم يتخذ الإجراءات التي يوجبها الفن فى قضية توليد انتهت بوفاة الوالدة .. وكانت محكمة الجنح قد قررت براءة الطبيب ، فألغت المحكمة الاستثنافية الحكم ، وقضت بتغريم الطبيب عن تهمة القتل فى إدانة الطبيب إلى أنه ارتكب عدة غلطات كانت سبباً في الوفاة. وهي : أولا : عدم اتخاذه أى حيطة لمنع الخطر في بادئ الأمر مع ما شاهده من حالة المتوفاة قبل الولادة بشهر ثم بعشرة أيام من وضع الجنين فى البطن وضيق الحوض . وكان يجب عليه الخطأ ، واستندت المحكمة انزف تسببت .
AV أن يتوقع تعسر الولادة ، وأن يفهم يفهم آل المتوفاة حقيقة الأمر ويشير عليهم بضررورة إجراء الولادة بالمستشفى أو عمل ترتيب آخر إذا رأى أنهم صمموا على أن تكون الولادة بالمنزل ، لا أن يذهب وحده طمعا فى الأجر الذى اتفق عليه ، وبدون أن يتخد أى حيطة ، حتى أنه أهمل فى أخذ العدد الكافية التي يمكن أن يحتاج إليها في مثل هذه الحالة غير الاعتيادية . ثانيا : أنه عندما باشر الولادة فعلا ووجد أن الحالة صعبة كما تقدم ، لم يبادر بإرسال الوالدة إلى المستشفى ، أو يطلب طبيبا آخر لمعونته فى الوقت المناسب ، قبل أن يستفحل الخطر . أن آل المتوفاة عرضوا عليه ذلك فرفض . ولم يطلب استدعاء طبيب إلا بعد أن ساءت الحالة وحصل نزف شديد وأغمى على المتوفاة. الزمن ثالثا : الاستمرار فى جذب الجنين مدة من ، واستعمال العنف فى الجذب ، مع ما تبين من كبر حجم رأس الجنين ، ومن علم المهم بوجود ضيق فى الحوض ، خصوصا بعد أن جرب أن طريقة الجذب لم تفده في إنزال الرأس لوجود عائق ميكانيكي يمنع من مرور الرأس من الحوض ، فلم يكن هناك معنى لاستمرار الجذب مع وجود العائق . ومع علم المتهم أن كل دقيقة تمر تؤثر على الوالدة وتقربها من الخطر شيئاً فشيئا . ومع أن المسموح أن يستعمل الطبيب طريقة الجذب لحد محدود
يقدره الفنيون بمدة لا يصح أن تزيد على خمس دقائق . ويقولون إنه بعد ذلك من المؤكد أن الجنين يموت وفى هذه الأحوال تكون السرعة جد واجبة . ويجب على كل حال أن يكون الجذب فنياً بحيث يجذب الجنين فى اتجاه معين ، مع اتخاذ الحيطة لجعل الرأس تدخل فى الحوض بأقصر أقطارها . فإذا ما اتخذ الطبيب هذه الإجراءات مدة ، ومع علمه بأن الحوض ضيق ، والرأس كبير ، فكان يجب عليه أن يوقف هذه الإجراءات ، ويتخذ غيرها . وهى ثقب الرأس بثاقب الرأس ليصغر حجمها ويسهل نزولها .. مع رابعا : طلب المتهم معاونة آل المتوفاة له في جذب الجنين ، له أن أن الجذب يجب أن يكون فنياً ، وما كان يصح يستعين بمثلهم في مثل هذا العمل الفني الخطير . وهم لا يدرون فيه شيئا . ولا يقبل القول بإلقاء مسئولية فصل الرأس عن الجسم على آل المتوفاة لأن المتهم هو الذى طلب هذه المعاونة ، فهو المسئول عن ذلك . وما كان في استطاعتهم في هذا الوقت الحرج عدم معاونته فما يطلب . وكان الواجب يقضى عليه في هذه الحالة بسرعة طلب طبيب أخصائى لمعاونته ، أو يأمر فورا بإرسال الوالدة إلى المستشفى كما أشار الطيب الذي استدعى أخيرا عندما رأى الحالة سيئة.
89 أسنان – الأخطاء في طب وجراحة الأسنان يخضع طب وجراحة الأسنان لنفس القواعد التي يخضع لها الطب والجراحة عموما . وقد حدث في فرنسا في سنة 1911 أن ذهبت فتاة إلى طبيب أسنان لخلع جذر أحد قواطعها . فأصاب بديله الجديد على المهنه فكها كله وأصيبت بالتهاب أعقبه خراج ، انتهى بنزع جانب من عظام فكها مع تسع وركب للفتاة طقم أسنان شوه منظرها . وقد رأت محكمة باريز أن الطبيب قد ارتكب خطأ جراحيا . كما حدث أن حاول طبيب أن يخلع ضرس العقل بالأداة الجاذبة للعصب فأفلتت منه الأداة وابتلعتها المريضة ولم يتسن إخراجها من بطنها إلا بعد عملية جراحية وآلام لا تطاق وبمضار كثيرة . وقد قضت المحكمة بمسئولية الطبيب لأن وضع الضرس كان يقتضيه أن يكون أكثر حيطة وحذرا . وقضت محكمة باريز فى سنة 1921 في قضية سيدة ذهبت إلى طبيبة أسنان لتخلع لها أحد أضراسها وقد أعطتها الطبيبة ثلاث حقن . ولسوء الحظ انكسرت إبرة الحقنة الأخيرة في لثة المريضة وبقى جزء منها في اللثة . وحاولت الطبيبة إخراج الإبرة اللثة ، ولكن الشق الذى أجرته على اللثة لم ينجح في تمكينها من
من الحصول على الإبرة المكسورة . وأصيبت المريضة بالتهاب خطير ، ودعت الحال إلى نقلها إلى المستشفى حيث قضت مدة طويلة تحت العلاج ، وهى تعانى أشد الآلام . وقد قضت محكمة السين على الطبيبة والشركة التى هي مؤمنة لديها ضد حوادث العلاج بتعويض قدره 45 ألف فرنك . وأخذت محكمة السين فى 1937 على طبيب أسنان أنه أهمل في خلع ضرس للمريض بأن كسره وترك جزءا منه في اللثة . وقد عرضت فى مصر قضية مريض ذهب إلى طبيب أسنان يطلب منه علاج ضرس تالف فاقترح خلعه ولكنه عندما أراد خلع الضرس المسوس خلع بطريق الخطأ ضرسا سليما ، وأبقى الضرس المسوس على حاله وظل المريض تحت العلاج نحو سنة . وتقدم بالشكوى إلى النيابة فقدمت الطبيب للمحاكمة أمام محكمة جنح الموسكى . فأصدرت حكمها بمعاقبة الطبيب بغرامة ثلاثة جنيهات، استناداً إلى ما تبين من تقرير الطبيب الشرعي من أن الضرس المخلوع خال من أي تسوس يمكن أن يدعو إلى بالطريقة خلعه . وأن الضرس المسوس كان فى الإمكان معا لم يكن هناك المألوفة وهى تنظيف الضرس من التسوس وحشوه ، ولم يكن مبرر لعملية الخلع مطلقا ، وإلى أن من الخطأ الجسم أن يخلع المتهم للمجنى عليه ضرساً سليماً بدلا من الضرس المسوس ومما يدل على أن المتهم كان شاعرا بخطئه في ممارسة مهنته أنه
91 أنكر أولا عملية خلع الضرس للمجنى عليه ، ولم يعترف إلا عندما أعطى المتهم أوصاف العيادة ووجدت مطابقة لها ولكن الطبيب استأنف الحكم فألغت محكمة الاستئناف الحكم الابتدائى ، وقضت ببراءة الطبيب استنادا إلى أنه لم يثبت خطأ المتهم فى خلع الضرس السليم خطأ فنيا . ولا عبرة بما جاء بتقرير الطبيب الشرعى من أن في الإمكان معالجة الضرس .. ولم يكن هناك ضرورة لخلعه ما دام المجنى عليه توجه وطلب خلع الضرس فلا معنى للبحث فيما إذا كان في الإمكان معالجته لأن خلع الضرس يكون قد تم بناء على طلب المجنى عليه . وعلى ذلك يكون الاتهام لا أساس له ويتعين الحكم ببراءة المتهم . – المسئولية عن العدوى يسأل الطيب عن أى عدوى بمرض معد يمكن أن يتسبب فيها بإهمال منه فى أثناء علاجه. وأكثر ما يكون ذلك في الأمراض السرية . ويمكن أن تحدث العدوى بسبب عدم تعقيم الآلات التي يستخدمها وقد روت مجلة المستشفيات في سنة 1866 حادثة نقل عدوى الزهرى بواسطة قسطرة للأذن استعملها طبيب أن استعملها مريض بالزهرى . كما روى الكتور أخصائي بعد فورنییه Founier حادثة شاب لم تسبق له علاقة تناسلية
92 أصيب بعد عملية ضيق الغلفة فى أحد المستشفيات الكبيرة من جراء وضع مشبك على حافة الجرح كان قد استخدم في حالة مريض مصاب بقرحة زهرية . ويسأل الطبيب كذلك إذا حصلت العدوى نتيجة إهماله عند التلقيح بمصل أو طعم من الأمصال واللقاحات المستعملة في الطب وقد تحصل إصابة المريض بسبب عدوى شخصية من الطبيب أو المعالج ، وقد حكم في فرنسا في سنة 1874 على مولدة بتهمة القتل والجرح الخطأ بالحبس سنتين وغرامة 50 فرنكا لأنها أصيبت فى أصبعها بالزهرى . وبدلا من أن تترك عملها لذلك ، وتنقطع للعلاج إلى أن تشفى من مرضها تسببت باستمرارها في العمل بإصابة نحو مائة شخص منهم عشرة أطفال توفى ثلاثة منهم. نص القانون رقم 158 لسنة 1950 بشأن مكافحة الأمراض الزهرية فى المادة 11 منه على أنه يعاقب بالحبس إلى ستة شهور وبغرامة إلى 50 جنيها أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من يعلم أنه مصاب بأحد الأمراض الزهرية ويتسبب بأى طريقة كانت فى نقل أحد هذه الأمراض إلى غيره بشرط أن تقدم الشكوى من المصاب أو من يمثله وفى مصر . ويسأل الطبيب كذلك إذا كانت العدوى قد حدثت بإهماله في الفات نظر المصاب إلى اتقاء العدوى التى يتعرض لها . وقد حكمت محكمة ديجون فى سنة 1868 بأن الطبيب
93 الذي يدعى لعلاج طفل مزهور فلا يخبر المرضع متعمداً أن الطفل مصاب بزهرى وراثى ، يكون مسئولا عن الضرر الذي يلحق بالمرضع بعدواها بالزهرى من طريق الإرضاع . وقد نصت المادة الثانية عشرة من القانون رقم 158 لسنة 1950 بشأن مكافحة الأمراض الزهرية على أن يعاقب بالحبس إلى سنة وبغرامة إلى مائتى جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من تسبب في إرضاع طفل مصاب بأحد الأمراض الزهرية غير السيلان من امرأة سليمة وهو عالم بمرض الطفل ولكن طبقاً للقواعد التى قررناها عن ثبوت النظريات العلمية ، فقد حكم فى سنة 1891 بتبرئة مولدة قدمت للمحاكمة بتهمة أنها تسببت بإهمالها في نقل عدوى الحمى النفاسية إلى عميلتها . وقد بنت المحكمة حكمها بالبراءة على أن الخبراء قرروا صراحة أن العدوى بهذا المرض غير مجمع عليها . بل إن بعض الأطباء المشهود لهم يعارضون فيها . وهو حكم لا يعد صحيحاً الآن القائمة في حالة العلم وقد قضى بأن العرف الطبي لا يخلى الطبيب من المسئولية عن العدوى. وقد قضى بأن الطبيب إذا كان لا يلتزم بأن يعطى المريض فى الأحوال المستعجلة دماً نقياً نقاوة لاشك فيها لأن التأكد من ذلك غير مستطاع في ظروف العلم الحالية ، وعلى الأخص بالنسبة لمرض كالزهرى ، له مدة خمول تخفى
94 فيها الأموال وتكون نتيجة التحليل سلبية ، فإن الطبيب ك بما يلتزم به من العناية والله التو مراعاة القواعد المسلم بها في المهنة ، يكون مسئولا إذا نقل إلى المريض دما ملونا بالمرض في وقت يكون فيه هذا التلوث مما يمكن كشفه . على الأخص إذا لم تكن ثمة ضرورة عاجلة لنقل الدم ، ولا مانع من إجراء الفحص بطريقة وازرمان أو غيرها من الطرق . ولا يخلي مسئولية الطبيب ذلك أن يكون العرف قد جرى في المستشفيات على عدم فحص دم من ينقل منه الدم فى كل وقت يحتاج الأمر إلى نقل لدم فيه . لأنه لا يكفي لإخلاء الطبيب من المسئولية عن فعله أن يكون متفقاً مع ما تعورف عليه . ومثل هذا العرف لا يرفع عن المحاكم حريتها في التقدير ، وحقها في أن تقرر أنه لا يتفق مع قواعد الحيطة أو غير كاف . عن 1 – ترك المريض لا شك أن فى ترك الطبيب المريضه بعد قبول علاجه إخلالا بعقد العلاج من جانبه وهو لا يجوز له ما دام المريض في حاجة إلى جهوده . ولا تنتفى المسئولية عن الطبيب في هذه الأحوال إلا إذا حالت بينه وبين ذلك قوة قاهرة كانقطاع المواصلات أو المرض .
. وقد قضى فى سنة 1835 بأن الطبيب يخطىء خطأ جسيما إذا تخلى اختياراً عن علاج المريض وأبى أن يتابع علاجه ، وأن يزوره عندما طلب إليه ذلك على حين أن المريض كان في حالة يعرض فيها هذا الترك حياته للخطر ، وقررت محكمة مارسيليا فى سنة 1909 أن الطبيب الذي يشرع في معالجة مريض ثم يتركه يرتكب إهمالا يعرضه لفقد أتعابه إذا ترك مسكنه دون أن يترك عنوانا أو يترك طبيبا آخر بدلا منه . لأنه طالما أنه شرع في علاج المريض فهو قد تعهد بذلك تعهدا ضمنياً على أن يستمر فى هذا العلاج طالما أن المريض في حاجة إليه له أن ينقطع عن هذا العلاج . يمتنع ولا يصح غير أن هناك حالات يجد الطبيب لنفسه فيها مبرراً لترك المريض ، كأن يهمل المريض في اتباع تعليماته . أو يستعين بطبيب آخر خفية عنه ، مما يعرض كرامته للأذى . أو عن دفع الأجر في مواعيده . ففي مثل هذه الأحوال يجوز للطبيب أن يترك المريض ، بشرط أن لا يكون الترك في ظرف غير لائق . أى غير مناسب للمريض ، و إلا تحمل الطبيب مسئولية ما ينشأ عن ذلك من الأضرار . وقد قررت محكمة السين فى حكم لها فى سنة 1910 أن للطبيب الحق في أن يرفض توليد امرأة كان يعالجها فى مدة الحمل إذا حدث أن أصرت على إحضار ممرضة لا يعرفها ، فلم تكن تستطيع أن تقدم الضمان
96 من العدوى الذي لصحة الممرضة التي اختار وقد تتشدد المحارب ديا مسئولية الالتزاع المريض في أحوال التخدير حيث توجب عليه اللي يفيق في حالة عادية من الصحة . ولكن هناك أحوالا تنتهى فيها مسئولية الطبيب قبل المريض بمجرد الفحص أو الزيارة كما إذا دعى لإبداء الرأى بشأنه أو لمجرد إعطائه شهادة بحالته . وفى مثل هذه الأحوال فإن مهمة الطبيب تنتهى بذلك . ويسأل الطبيب إذا تغيب عن عيادته فأساء اختيار من يحل محله فى علاج المرضى الذين يكون قد بدأ في علاجهم بخلاف المرضى الجدد الذين لا يكون قد تقيد إزاءهم بشيء . كما أنه لا يسأل حتى بالنسبة لمرضاه القدامى عن أخطاء الطبيب الذي يخلفه متى كان معروفاً بالكفاءة . وقد سبق أن أشرنا إلى حكم محكمة جنح الجيزة في سنة 1935 بصدد مسئولية الطبيب عن عدم وضع المريضة تحت ملاحظته في عيادته أو التردد عليها يوميا حيث تستدعى حالتها ذلك . وأنه لا يخليه من هذه المسئولية أن تكون المريضة فقيرة . لأن الطبيب يجب عليه أن يبحث هذه الوجهة قبل إجراء العملية لا بعدها . فإما أن يقبل العلاج تحت مسئوليته ويؤدي واجبه فيها كاملا بما يعرض عليه . وإما أن يرفض فيتحمل أهل المريض المسئولية ويرسلونه إلى المستشفى أو يتركونه يموت ميتة أخرى لا مسئولية عليه فيها .
